صور من حياتنا

 

جاذبية سري / نشر الغسيل 1949

 

عبد الهادي الجزار / دنيا المحبة 1952

ننقل ما كتبه صلاح قاسم ونقله صلاح بيصار عبر حسابه على الفيس بوك:

لا تزال رحلة الغوص مع “الجزار” فى مستنقع الميثولوجيا الملفوفة بالتناقض والغموض مستمرة فى قاع المجتمع الشعبى، بينما ظل الفنان يستدعى الانطباعات والصور المتنافرة من مخزون عقله الباطن، مغلفة بحس تشاؤمى مُبهم، حيث يتصارع الموت مع الحياة، والرغبة الجسدية مع العبادة والتصوف، والعجز والجدب مع الخصوبة والخير والعطاء
فى لوحة “دنيا المحبة” (1952) التى لا ندرى ما إذا كان أبطالها يجلسون عند باب الحارة القديمة، أو فى باحة مسجد، أو وكر للبغاء، أم أنهم يؤدون فصلا من الجنون على خشبة مسرح العبث؟ حيث جلست المرأة بثيابها الريفية، مستندة على الرجل، وقد مالت برأسها، مسبلة العينين، بإيماءة موحية، ممسكة سنبلة، تشير رمزيا إلى خصوبة المرأة الريفية وقدرتها على العطاء، مُتحرِّقة رغبة لرجل مخنث، لا يستطيع التواصل معها، بملامحه الأنثوية، وخديه الناعمين.. يتدلى القرط من أذنيه، ويطوِّق الكردان عنقه، بثوبه الأبيض ذو الطوق المستدير على الصدر كثياب النساء، وغطاء الرأس المزركش الذى يشبه مناديل رأس بنات البلد. وبينما أشارت له بسنبلة العيش، نرى الأفعى، رمز الموت، تتدلى من يده، ليقطع عليها الشك باليقين، فتدرك أنه عاجز عن مبادلة “الهوى” مجدب، عقيم.
وقد شكَّلت كل وحدة من وحدات المشهد علاقة رمزية، تدور فى تقابلها مع الوحدات الأخرى حول الصراع الأبدى بين متناقضات الحياة، حيث صنعت أشكال السنبلة والطائر والبيضتين والثعبان.. علاقة تدور العين غبرها فى حلقة تنطوى على مضمون رمزى بالغ الإيحاء والدلالة، فجلس الطائر على حافة الآنية يراقب بشغف حبات القمح، غير عابئ بتأهب الثعبان للانقضاض عليه، وأكملت البيضتان فى الآنية دورة الميلاد والموت، وبينهما الحياة والرزق. أما الرجل المخنث فيعزف مع المرأة على نفس الأوتار لحنا آخر لصراع المتناقضات، بين رغبة المرأة الممسكة برمز الخصوبة، فى مقابل عجز المخنث القابض على الموت عن التواصل- رغم التحامه بها. أما الخلفية فقد احتوت على مزيد من العلاقات المتناقضة، حيث يتقابل الرجل الساجد يصلى مع غواية المرأة العارية، وبينما اتجه بصلاته نحو فتحة فى جدار، تشبه فتحات القبور فى الريف (ربما ليوحى أن مثل هذا القابض على دينه فى قاع المجتمع المكتظ بالعبث والمجون.. إنما يميل نحو الآخرة)، نجد المرأة العارية وقفت أمام تجويف يشبه المحراب، لتضيف إلى المتناقضات فصلا من العبث، وقد تقابلت- أيضا- مع امرأة على الجانب الآخر، اتشحت بالسواد، بالقرب من أريكة خشبية عتيقة، لا يجلس عليها أحد، توحى بانتظار هذه الجنوبية الأبدى للمجهول.
وقد توافقت معالجة الأشكال المُحوَّرة مع غرابة الموضوع، بمفرداته التى استدعاها الفنان من اللاوعى، فخرجت مبهمة، متنافرة، تثير الدهشة والحيرة.. حيث احتل مركز التكوين نصب المرأة الريفية (أم الخير) ودرويشها الرفاعى المخنث مركز التكوين، يشبهان تمثالين عملاقين، بأطراف مبالغ فى ضخامتها، بدت كأنها قُدَّت من حجر، واتسقت مع تلخيص الكثير من تفاصيل كتلة الرجل النحتية المصقولة الراسخة، لتضيف المزيد من الإيحاء بسكونيته وجموديته وعجزه، فى مقابل ليونة ثنيات أردية المرأة والأساور المدندشة التى أضفت عليها قدرا من الحيوية، اتسقت مع ملامحها ذات الإيماءة الموحية.

 

سيف وانلي / صراع في سيناء 1968

 

جمال السجيني / العروسة 1968

نقلا عن دراسة بعنوان (قراءة في لوحة «العروسة» للفنان التشكيلي جمال السجيني) للكاتب ياسر جاد منشورة على موقع: (حانة الشعراء).

احتل الفنان الراحل جمال السجيني مكانة بارزة في تاريخ الفن المصري الحديث والمعاصر بما اقتطعته أعماله من منزلة واحترام وتقدير في نفوس الجميع. وبما طرحه من معالجات تشكيلية مختلفة ومميزة، ارتكز فيها على وجهات نظر تخطت حدود ذاته، وذهبت إلى الهموم والقضايا التي أهمت محيط مجتمعه، والتي عكس من خلالها ما جاش في نفسه من شعور وحس تجاهها وتأتي لوحة (العروسة) والتي نحن بصددها واحدة من اثنا عشر عملا تصويريا سجل من خلالها المبدع جمال السجيني معايشته لواحدة من الهزات التي زلزلت كيانه وكيان محيطه. كما جاءت تلك المجموعة لتشهد على اجتيازه واجتياز مصر لواحدة من أشد العثرات في النصف الثاني من القرن العشرين. وهي تلك الفترة الواقعة بين عامي 1967 و 1977، تلك الفترة التي اجتازها جمال السجيني وغيره من معاصريه بدءا من مرارتها التي صاحبت انتكاسة يونيو 1967 وما صاحبتها من مذاقات لمرارة تلك النكسة، وسنوات الإحباط الست التي تلتها، ووصولا إلى ظهر ذلك اليوم المجيد من شهر رمضان والذى شهد تلك الهبة التي أفطر فيها المصريون على رشفات الفرحة التي روت عطش ست سنوات من صيامهم عن مجرد الابتهاج، وختاما بسنوات أربع ارتوت فيها مصر من رحيق النصر واستمتعت بحلاوته.

الراحل جمال السجيني كان من هؤلاء المبدعين الذين كانت تشغلهم تلك الهموم والقضايا التي تمس مجتمعهم، بل وصلت تلك الهموم والقضايا إلى حد أنها صارت بمثابة الحطب لنار إبداعه المتوهج، وطرحه الدائم والمميز، والذي أكسبه تلك المنزلة الرفيعة والمميزة بين أبناء جيله، بل بين أبناء وطنه بشكل عام. فهو ذلك الفنان الذي طال إبداعه يد وعين كل مصري من معاصريه وكذلك من ملايين تلت جيلهم. فمن منهم لم تقع في يده تلك القطع المعدنية فئة العشرة قروش والتي صاغها جمال السجيني وعبر من خلال نماذجها التي نقشها في مناسبات عدة. فيحسب لجمال السجيني أنه أكثر مثّالي مصر الذين تم استنساخ أعمالهم من خلال إصدار تلك العملات المعدنية من قبل الدولة.

وجمال السجيني كمثّال من مثّالي مصر الكبار والمهمين في العصر الحديث، هو غني عن التعريف وقد يقصر المقال عن ذكر مناقبه في فن النحت المصري الحديث. والذي تبوء فيه منزلة رفيعة تسطر فيها مئات الصفحات. لكن أكثر ما جذبني لذلك العمل التصويري من مجموعته عن العروسة والتي استضافتها (قاعة الزمالك للفن في مطلع عام 2015) في عرض خاص ضمن مجموعته التصويرية، ذلك العمل الذي فضل مثّال مصر الكبير جمال السجيني صياغته من خلال معالجات تصويرية وليس من خلال حلول الكتلة المنحوتة؛ تلك المعالجة التي عكست شعور ومشاعر ملايين المصريين، فقد واجه جمال السجيني حامل رسمه ليصور تلك المرأة، والتي نعتبرها جميعا مختلفة عن كل النساء، فهي الصبية التي لا تشيخ، وهي العذراء التي أنجبت ملايين الأبناء، كعبة الحضارة وكاسرة الأباطرة، والتي على عتباتها سحقت هامات الأرذال. يقف جمال السجيني ليصورها مختزلا في مشهدها تلك الحزمة من المرارة، ويظهرها في مشهد يحمل ذلك العمق المرادف لمشهد الاعتراف المنفي في عقيدة المصري القديم ولكن مع فارق المقام والتفسير.

وهذا العمل الذي يعد واحدا من ضمن مجموعته (العروسة) والتي يقصد بها مصر بلا اجتهادات في تأويل ما كان يقصده بالعروسة، تلك المجموعة المميزة والتي أراها من وجهة نظري واحدة من أفضل الوثائق البصرية والتي توثق لحدث جلل وتاريخ عاصره البعض منا، بل وذهب أبعد من ذلك بأن وثق لأحاسيس ومشاعر ومرارة سكنت النفوس ونالت من الهمم وكسرت فروع أشجار الأحلام لدى الملايين من معاصريها.

وباقتراب من العمل والدخول إلى تفاصيله، نجد أنفسنا أمام العديد من تلك الأضداد في ظاهرها، إلا أن التأمل عن كثب في مشهد العمل يجعلنا نجزم بأننا أمام نظائر في حقيقتها، وقد برع جمال السجيني مدعوما بصدق شعوره وفرط انتمائه في تصوير ذلك المشهد الذي عكس ما بداخله من انكسار وصدمة، يصلان في بعض المساحات إلى تعبير عن عدم التصديق، واللوحة من صنف تلك اللوحات التي تحمل صفة التجريب في تقنيتها، بل تعد نموذجا في تناول السهل الممتنع، وقد نوع جمال السجيني في تقنيته التي تعامل بها مع السطح وكذلك التي تناول بها وجهة النظر، وجاء خلطه وحبكته يحملان توازنا بين تنويع الخامات وبين إظهار المفهوم، فقد أتت خلفيته شبه الصلبة المتمثلة في سطح السيلوتكس خادمة ومتحملة لتلك الخامات المتنوعة المضافة، بل ولعبت دور الحماية لتلك التفاصيل الرقيقة في زخارف الزي الذي ترتديه تلك المرأة. أما عن ذلك المزج المقصود لتلك التنويعة من الخامات المختلفة. فقد أوقفنا جمال السجيني أمام تجاربه في التعامل مع الخامات المتنوعة، وكان يمكن له أن يتعامل مع مسطحه بشكل كلاسيكي من حيث اقتصار حلوله على استخدام الألوان الزيتية فقط والتي لم يكن ليعجز عن سرد رؤيته البصرية من خلال استخدامها دون إدخال خامات متعددة. إلا أننا نلحظ في وضوح خلطه بين الألوان الزيتية والورق المعدني باللون الفضي وعجائن الريليف وقطع الزجاج والمرايا، ناهيك عن العجائن الخاصة بالملابس والتي أتت موزعة بشكل متوازن في جنبات اللوحة.

لقد أكد جمال السجيني على تنويعة خاماته والتي أكسبت العمل طابع الأيقونة وأظهرت بعض الأبعاد في موضوع العمل. على الرغم من كون السجيني قد أكد على فكرة التسطيح، والتي ربما أسعفته لتحقيق تلك الدفقة المحققة لوجهة نظره. والتي أجزم أيضا بأنه كان في حالة سبق إصرار على خروج العمل من خلال ذلك الخلط، ربما لإيضاح دلالات بعينها، أو ربما كانت إضافته لبعض الخامات كالزجاج والورق المعدني. كنوع من الاقتراح بضرورة وجود تلك التغيرات على الجسد المجتمعي والفكر المصري بشكل عام، وضرورة التفكير بأساليب مغايرة لما هو متبع، كنوع من الحلول للخروج من تلك الانتكاسة، وإيجاد عوامل مساعدة تسهم في جبر ذلك الكسر البالغ الناتج عن تلك السقطة أو العثرة والتي تمثلت في العمل مشار إليها بقدم العروس المكسورة والعاجزة عن الحركة، إلا من خلال استخدامها للعكازين.

وعلى الرغم مما أظهره جمال السجيني من ملامح مرهقة للعروس ووجه حزين وجسد منهك وقدم معتلة من جراء صدمتها، إلا انه أظهرها في كامل حلتها وأفضل زينتها وأبهتها، وكأنه أرادها في حالة من الجاهزية إذا ما كتب لها التعافي، وقد جاء حله لاستعانتها بهذان العكازان ذو مغزى أعمق مما بدى عليه المشهد، ربما أراد أن يدلل على أمنيته لها بالتعافي دون مساعدة من أحد، وربما تمنى أن يبلغها بثقته في أنها ستجتاز محنتها بمفردها من خلال استنادها على ما تمتلكه من جلد وصبر أبنائها، وتاريخها الضارب جذوره في عمق الزمان.

وقد لعب رداء (العروسة) دورا هاما في العمل، ونجح جمال السجيني في جعله مسطحا ضاما لكامل جملته، وعبر من خلاله عن كامل الجسد المصري من بشر وحجر ومعالم وآثار وحضارة، وذلك من خلال تلك القطع من المرايا والتي تزين الرداء. والتي تمكن من يشاهد العمل من رؤية اجزاء من نفسه داخل العمل مما يجعله مشتبكا في المشهد لا إراديا. وجاء ما يمثل تطريز الرداء موضحا رمزية لأهرام مصر. وجاءت زخرفة الذيل بما يمثل تلك البنايات الصناعية ذات الأسقف المخروطية والتي صاحب إنشائها تلك العثرة، وانتهت أطراف المروحة التي في خلفية العروسة بتلك العرائس التي تزين أسطح المساجد، وتدلت منها ما جاء محاكيا لتلك الأيدي المنبثقة عن شمس آتون العمارنة. و(العروسة) في مجمل هيئتها مثلت تلك الهيئة الكلاسيكية المحاكية لدمية الفاطميين والتي يرمز بها لاحتفالات المولد النبوي في مصر، ولم يغفل جمال السجيني نفسه والذي جاء اسمه في أعلى (المروحة) التي تزين رأس (العروسة) مرسوما بخط ريليف أحمر ومكتوبا بشكل موظف، يعتلي فيما يشبه رسما لتمثال أبو الهول وجاء اسمه بصورة مرادفة لتوقيع جمال السجيني المشهور والذى يقع في أسفل يسار العمل. وهكذا ضرب لنا المبدع الراحل جمال السجيني نموذجا يدرس في فن الرمزية الحاملة للدلالة بصورة تعد نموذجا يحتذى به، وقيمة تشكيلية متمثلة في وثيقة بصرية لا تغفلها عين الفاحص والمتخصص ولا يجد العامة مشقة في قراءتها، كما أن العمل يعد نموذجا فريدا في فن الوثيقة البصرية التاريخية والتي تتخذ من التشكيل وسيلة تعبيرية لا تسجل الحدث التاريخي فحسب، بل تتخطى تلك الحواجز لتصل إلى عمق المشاعر المصاحبة للبشر المعاصرين لذلك الحدث. وقدم جمال السجينى على مر تسع سنوات أكثر من اثنا عشر عملا للعروسة، أعرض منهم ستة أعمال من باب متعة المطالعة لتلك التجربة النادرة، ولاشتراك الأعمال الستة في التقارب في القياس، تلك التجربة التي انتقل فيها الفنان جمال السجيني بعروسه عابرا جسرا ممتدا بين كبوة النكسة وفخر الانتصار.

وربما لا يتسع المقام للغوص في تلك التجربة الثرية. والتي ترصد معالجة تشكيلية مختلفة لواحد من أساطين الفن المصري الحديث والمعاصر. والذي أكد على امتلاكه لبراعة في التعامل مع فن التصوير، وكذلك قدرة على ممارسة التجريب بمعناه الحقيقي والموظف، دون مبالغات فجة وحشوات لا قيمة لها، وحس ينم عن إلمام بأبعاد قضاياه ومقاصد طرحه ذلك الحس الذي يفتقر إليه العديد من ممارسي التجريب بشكل عام.

 

جبر علوان / التنورة الصفراء 2005

 

يوهانس فيرمير

 

لويس إيجيديو ميلينديز

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *