الرعب البصري في الفن التشكيلي

أكثر اللوحات رعبا في تاريخ التصوير الفني

 

في سلسلة من المقالات هذا أولها,وكما ظاهر من عنوانها,نعرض سبعة لوحات تبث الخوف في قلوب الناظرين إليها,أكثر حتى من أفلام الرعب التي صارت مستهلكة قل ما تخرج بفيلم عظيم من حين لآخر.

 

[1] الصرخة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصرخة Shriek (العنوان الأصلي الذي أطلقه الرسام هو صرخة الطبيعة Der Schrei der Natur) لوحة رسمت عام 1893 واقترنت ذكرها برسامها لما يحضر إسم النرويجي العظيم مونش وهي ليست أشهر أعماله فحسب,بل ربما تكون أشهر لوحة مرعبة في تاريخ الفن التشكيلي على الإطلاق,وبالطبع واحدة من أكثرها إثارة للفزع. والذي يتمثل رعبها في كونها لا ترسم شيء مخيف,بل تجسد تعبير الخوف ذاته. وما أفضل من تجسيده من النافذة الأهم على عواطف الإنسان -والحيوان- ودواخله أي الوجه. وقد تعمد الرسام أن يشوه الوجه (وأن لا يحدد حتى جنس الشخصية) حتى لا ترتبط علامات الذعر لدى المتلقي بوجه محدد. بل يطلق العنان لمخيلته كي يسقط إمارات الذعر تلك على أي شخص في حياته,أو على نفسه.

 

تلك الإمارات هي ولولة اليدين وجحوظ العينين ورعشة الجسد,وعلى رأسهم توجت أهم علامة دالة على الخوف. الصرخة,والتي تسمت اللوحة بإسمها. حيث الفم مقشوع ثلاثي الفتحات في وئام تقشعر له الأبدان بين النوافذ الثلاثة في الوجه.

 

هذا غير الخلفية التي تبث مشاعر رعبية متنوعة من الرهبة والقلق والتوتر والتوجس والترقب والقشعريرة,حتى تكاد تلك اللوحة أن تستنفذ كل مفردات الخوف دون أن تترك شيئا للأعمال التالية. الخوف بنوعيه من المعلوم والمجهول,ولا تشرح الخلفية موضوع القصة التي ترويها اللوحة. فهي تصور شخص مذعور في بيئة سريالية وعن قريب منه يقف رجلان غامضان. يرى البعض أن اللوحة تصور ضحية يتربص بها قاتلان في الظلام. فهو يخشى المعلوم متمثلا في خطر القتل. ويخشى من المجهول متمثلا مما قد يفعلاه به. والخوفان يجسدان عجزه عن فعل أي شيء. بينما قد يكون التفسير أن اللوحة تعرض القلق من إنهيار كل شيء,حيث هناك خطر / رعب يطل علينا من البحر والسماء (رسمت بتموجات زيتية زرقاء وحمراء) ومن الناس في الشارع. وعامة حظت اللوحة بعدد لا بأس به من التفسيرات. واللوحة تنتمي إلى سلسلة من الأعمال الفنية تحت عنوان (إفريز الحياة) تتناول موضوعات مشابهة للقلق,مثل الموت والإكتئاب وغيره.

 

قناع الرعب المنطبع على الوجه المتألم للضحية صار واحد من أكثر الرموز الفنية شهرة حيث يعكس القلق الإنساني بحسب إحدى التأويلات,وأن إدوارد مونش (والذي يعد واحد من رواد التعبيرية) قد رسمها بعد مروره بحالة نفسية خاصة.

 

تم إقتباس لوحة الوجه المتألم في قناع الشبح الشهير الذي يرتديه القاتل من سلسلة أفلام الصرخة Scream 1996.

 

حدد الباحثون المكان في الخلفية أنه خليج أوسلو الواقع في مدينة أوسلو النرويجية.

 

[2] الجوع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ساتورن يلتهم إبنه Saturn Devouring his Son عنوان مخيف للوحة مخيفة رسمها أحد الأضلاع الثلاثة لمثلث العظمة الإسباني في الفن التشكيلي (بيكاسو ودالي وجويا) فرانسيسكو جويا.

 

تحكي قصة اللوحة عن كرونوس حين اشتد به الجوع,ولكنه لم يكن جائعا لغداء أو عشاء فطاب له أن يأكل لحم إبنه. بل هو الجوع للسلطة للدرجة التي تجعل الأب يقتل إبنه بأن يأكله حيا قبل أن يرثه أو يطمع في منصبه. أكل أولاده خوفا من الإطاحة به,كما فعل هو وإخوته مع أبوه أورانوس

 

هي قصة كرونوس (أو زحل / ساتورن) وزيوس إثنين من جبابرة الآلهة لدى اليونان,والتي يبدوا أن قصتهما هي الأصل للمثل القائل “اتغدا بيه قبل ما يتعشى بيك”.

 

وزيوس هو إبن كرونوس إبن أورانوس من جايا,وجايا زوجة أورانوس وأمه -أم أورانوس- في نفس الوقت -عائلة لا تعرف ربنا,آه .. صحيح هم كانوا الآلهة في ذلك الزمن!.

 

والأساطير الإغريقية منبع خصب لم ينفذ بعد للأدب والسينما والتصوير,فنسج الفن التشكيلي من أساطير اليونان لوحات مرعبة تكفي لأن نفرد لها هذه القائمة كلها. تجسد شخصيات مثل

 

-ميدوسا

-ميديا

-تانتالوس

 

والفعل المصور في اللوحة قبيح لأقصى درجة,ومستويات الحدة فيه متصاعدة

 

1-القتل

2-أن يؤكل الإنسان

3-أن يأكل الأب إبنه

 

الحقيقة وراء الحدث إنه لم يأكل إبنا واحدا,بل كل أبناءه,وزيوس الوحيد الذي لم يؤكل,بل خدعته زوجته وأطعمته صخرة في لفافة كأنها إبنه (البعيد أعمى لا يشعر بشيء!).

 

ضف على ذلك أنهم أبناءه وإخوته من أمه,بعد أن قام معها بزنا المحارم مما يزيد الفعل (فعل تكوين الأسرة قبل محاولة تدميرها) قذارة وانحطاطا.

 

وتنتمي اللوحة -مثل لوحة الصرخة- إلى سلسلة من اللوحات تسمى اللوحات السوداء ترتبط ببعضها في نفس المواضيع الكئيبة والسوداوية نشرها جويا على جدران بيته الشهير (منزل الرجل الأصم Quinta del Sordo).

 

[3] الساعة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وننتقل من التفكك النفسي,والتفكك الأسرى,وصولا لتفكك العالم. إنهيار كل شيء (على الصعيد النفسي أو العالمي) وهي التيمة الرئيسية في لوحات سلفادور دالي,وربما الموضوع الرئيسي للمدرسة السريالية في كل الفنون من التشكيلي إلى السينمائي. لهذا نجد الأشياء ذائبة والذوبان استعارة عن التفكك الذي يرمز لتفكك النفس أو المجتمع. وتفكك المجتمع الأكبر هو إندثار الأمم,والصورة الكبرى -الأكبر من ذلك- للتفكك المجتمعي (حيث اندثار كل الأمم) هي نهاية العالم.

 

ولأن هناك معتقد سائد لدى المتدينين والملحدين سواء,بوجود ساعة (وحدة زمنية لقياس الوقت) ما في مستقبل مجهول ينتهي بها العالم. كانت الساعة (آلة تقيس الوقت) رمزا حاضرا بقوة في أعمال سلفادور دالي التشكيلية.

 

وأي رعب أكثر من رعب نهاية العالم وقد ذقناه في السنة السوداء 2020,وخضنا أهوال ذلك العام مع جائحة الكورونا,ونجى من نجى ومات من مات,ولكن تبقى التأثيرات مستمرة إلى ما بعد عشرين عشرين,وربما لأزيد من عشرين عاما في المستقبل. بدءا من الذكريات في عقول من عايشوا تلك الفترة,وصولا إلى المتغيرات على مختلف الأصعدة الأدبية والفنية والثقافية والإجتماعية والسياسية والدينية والبيئية.

 

إن الخوف من يوم القيامة قائم في صدور جميع الناس,لأنه يمثل الخوف من الموت الأعظم. فإن كنا نتجاوز الموت بأن نترك أثرا بعد موتنا,فإن نهاية العالم إن حلت لن تترك أي أثر. ولا أموات ولا أحياء. نار لا تبقي ولا تذر. والنار من الشواهد القوية على حضور هذا الخوف في المجتمع البشري كله,منذرا بمحرقة نووية في أرجح الاحتمالات الأبوكاليبسية لشكل نهاية العالم. حتى أنه تم صنع ساعة تتحرك عقاربها بحسب علامات النهاية. أي كلما علا تهديد نووي في العالم اقتربت الساعة (كأنهم يحاولون صنع نوع من الأجهزة التنبؤية تنذرهم قبيل قيام الساعة القرآنية) من منتصف الليل. تسمى تلك الآلة بـ ساعة القيامة.

 

وساعة القيامة Doomsday Clock هي (نقلا عن ويكيبيديا):

 

“ساعة رمزية تم إحداثها عام 1947 من قبل مجلس إدارة مجلة علماء الذرة التابعة لجامعة شيكاغو. تُنذر هذه الساعة بقرب نهاية العالم بسبب السباق الجاري بين الدول النووية،حيث إن وصول عقارب الساعة إلى وقت منتصف الليل يعني قيام حرب نووية تُفني البشرية، ويُشير عدد الدقائق التي قبل منتصف الليل إلى احتمال نشوب حرب نووية،أما توقيتها الآن -بحسب آخر تحديث للمقال على ويكيبيديا- فهو دقيقتين قبل منتصف الليل.

 

تغير توقيت الساعة 22 مرة منذ وضعها،استجابةً للأحداث الدولية،ووصلت ذروتها عندما بدأ كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بتجربة القنابل الهيدروجينية لمدة 9 أشهر متواصلة،ووقعت هذه الأزمة سنة 1953 وكانت بهذا أقرب مرة تصل فيها عقارب الساعة إلى أقل من دقيقتين من نصف الليل والتي إذا ما وصلت العقارب إلى نصف الليل يُفترض أن تقع حينها حرب عالمية نووية (حرب عالمية ثالثة).”

 

أكثر لوحات دالي تجسيدا لكل هذا الهول ربما برأيي هي المعنونة بـ إصرار الذاكرة The Persistence of Memory 1931 والتي تعد أشهر أعماله,وفيها أربع ساعات ذائبة,حتى أنه تسمى أحيانا بـ لوحة الساعات. والمعنى الوارد ليس إلا واحد من معاني عديدة لازال الباحثين يستخرجونها من لوحته. فهناك مغزى شهير بأن قصد اللوحة هي تحطيم الزمن, والقول بأن الزمن ليس بالصلابة التي نتوقعها وهو ما يتماشى مع نظريات فرويد عن اللاوعي وآينشتاين عن النسبية.

 

ثم هناك أيضا وجه الحرب The Face of War 1940 التي تحصل هي الأخرى على إعتراف كبير بفظاعتها,والخوف من الخراب الذي تسببه الحرب جلي على وجه الجمجمة الذي يتجاور مع أكثر الوجوه إرعابا في الفن التشكيلي مثل وجه الصرخة.

 

ولعلك تتسائل عزيزي القارئ عن تلك المخيلة العجيبة الغريبة القادرة على خلق هذا النوع من الملامح والتعبيرات لدى رسامين عظماء مثل دالي ومونش.

 

حدد الباحثون المكان في الخلفية أنه يتشابه مع الأرض التي كان يملكها سلفادور دالي أمام منزله بمسقط رأسه في قرية بورت ليجات.

 

لاحظ بعض الباحثون المتخصصون بالفن التشابه بين هذه الأرض والأرض التي كان يملكها (سلفادور دالي) أمام منزله بمسقط رأسه في  قرية بورت ليجات.

 

[4] الدخان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ننتقل من اللوحات الثلاثة الأكثر إثارة للفزع,إلى صور أقل حدة,رغم أن البعض قد يعارض هذا الأمر خاصة في اللوحة الخامسة. وننتقل من التحلل النفسي في الصرخة,إلى تحلل النفس والجسد في (سيجارة مشتعلة بجمجمة هيكل عظمي) وهو عنوان اللوحة التي رسمها الرسام الأشهر في التاريخ فان كوخ,بالتوازي مع بيكاسو نفسه. والإثنين لا يجيدان الرسم -ضمن آخرين من المشاهير- حسبما يرى البعض في منظور مغاير للمتوقع,وجدير بالذكر أن أحمد خالد توفيق ووائل رداد من متبني هذا الرأي. وهو رأي نفنده في مقال آخر.

 

اللوحة كانت في الأصل ساخرة ثم تحولت إلى إعتبارها واحدة من أكثر اللوحات المرعبة في تاريخ الفن التشكيلي. ذلك الإنتقال من الفكاهة إلى الرعب هو الذي عبر عنه ألفريد هيتشكوك ببراعه في أعماله السينمائية. ولكن يتجلى هنا في عمل تشكيلي بغير قصد من الرسام. ذلك التغير في النظر إلى اللوحة ينتج من تصويرها للفكرة التي تتلخص في العبارة الشهيرة “التدخين يدمر الصحة ويسبب الوفاة”.

 

وهناك فيلم رائع مقتبس عن قصص لستيفن كينج جسد فكرة تدمير الدخان للنفس قبل الجسد, هو فيلم عين القط Cats Eye 1985.

 

[5] الحرب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الموت جوعا أو الموت ببطء,أو موت الجميع,أو الموت في الحرب. الأخيرة هو نوع الهول الذي تصوره لوحة مذبحة الأبرياء The Massacre of the Innocents للرسام بيتر بول روبنس Peter Paul Rubens.

 

الموت العظيم القريب منا في أي لحظة. فإن كانت نهاية العالم بعيدة فإن ظلال الحرب قريبة منذ نشأة أول صور المجتمع البشري حتى لحظتنا الراهنة.

 

ربما تكون أكثر عمل فني نجح في تصوير الحرب وأهوالها,مستغنيا عن أبرز عناصر الحروب. وهو الدماء,لتركز على عنصر آخر قدمه الرسام بشكل أكثر فعالية. وهو الإشتباك.

 

الإنسان لديه خمسة أطراف,الرأس,والذراعين,والساقين. ومرافقهما مثل الأسنان والأظافر والقبضتين والقدمين وغير ذلك من الأجزاء التي يملك قدرة كبيرة على تحويلها لأسلحة ذات فاعلية في الإمساك أو أو الدفع أو القذف أو الضرب أو التحطيم أو التمزيق أو التكبيل وغيرها من الوظائف الهامة والتي تكون لها لحظات حاسمة في تغليب طرف على طرف أثناء خوض معركة. ذعر المعركة هو ما قدمه الرسام في لوحته التي تتنافس مع لوحات ديلاكروا عن الحروب.

 

[6] ميديا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

آخر خياران يشكلان قائمة شرفية,لأفسح المجال للمزيد من الخيارات عبر تلك السلسلة من المقالات. ومع ذلك تظل تلك اللوحة مرعبة بحق,ومن عنوانها يتضح موضوعها والمعنى خلف قصتها. حيث تعتمد هذه اللوحة أكثر على الخلفية القصصية وراء رسمها دون أن تظهر مناظر أو أفعال بعينها. ولكنها تظهر إمرأة كانت تهم بفعل شيء ما. فعل قبيح هو ويعد واحد من أبشع الجرائم البشرية إن لم يكن أبشعها على الإطلاق.

 

الأميرة ميديا إبنة آيتيس ملك كولخيس وحفيدة هيليوس إله الشمس. تعد واحدة من أشهر وأقوى السحرة في الميثولوجيا اليونانية وأكثرهم دهاءا وشرّا. هذا غير كونها واحدة من أجمل نساء اليونان.

 

هي إمرأة لم تعشق في حياتها سوى نفسها وعشيقها,وقد قامت بالتحايل كثيرا لكي تنال زواجها من عشيقها جاسون -وقد نالته بالفعل- حتى أنها قطّعت أخيها ورمت أشلاءه في البحر لتفطر قلب أبيها عليه,وتشغله في لملمة أجزاء ولده في سبيل إنقاذ زوجها من غضبة أبيها. وقد روعت زوجها بأفعالها هذه حتى سئم منها فذهب إلى أخرى يتزوجها لأغراض عاطفية وسياسية.

 

لم تبدأ أفعالها الشريرة عند لقاءها بجاسون,ولم تنتهي بزواجها به. ولكن أكثر فعالها المحفوظة في التاريخ -أو التاريخ الميثولوجي- بشاعة -بالتوازي مع قتلها لأخيها- هو قتلها لولديها لكي تحرق قلب والدهم عليهما إنتقاما من جاسون الذي كان يخطط لتأمين مستقبلهما من خلال زواجه السياسي. فزوجته هي إبنة كريون ملك كورنث التي لجأ إليها جاسون هاربا من غضبة آيتيس. وقد أهدتها ميديا فستانا مسحورا أول ما ارتده اشتعلت فيه النيران لتحترق به حية.

 

جدير بالذكر أن أسطورة ميديا خلدها في مسرحية تراجيدية بنفس الإسم المسرحي العظيم يوربيديس وواحد من ثلاثي المسرح التراجيدي اليوناني (يوربيديس – سوفوكليس – إسخيلوس). قبل أن يؤكد الرسام أوجين ديلاكروا Eugene Delacroix على خلودها بحفظها في لوحته المشهورة والمعنونة بنفس الإسم؛ميديا.

 

 

هيرونيموس بوش 1450-1516

 

 

كارافاجيو 1571-1610

 

ميدوسا 1597

 

 

بيتر بول روبينز 1577-1640

 

 

 

مذبحة الأبرياء 1611

 

 

أرتيميسا جنتلسكي 1593-1653

 

يهوديت تذبح هولوفيرنوس 1610

 

 

 

https://themirrorcrackedar.blogspot.com/2008/12/blog-post.html

 

 

 

هنري فوسيلي 1741-1825

 

 

الكابوس 1781

وموضوعها الرئيس هو تمثل الكابوس في كائن الجاثوم

 

 

 

بيل ستونهام: الأيدي تقاومه 1972

 

غويا 1746-1828

اللوحات السوداء 

 

Quinta del Sordo

 

كرونوس يلتهم ابنه 1820

هذه اللوحة للفنان الاسباني فرانشيسكو غويا بعنوان ’زحل يلتهم إبنه‘. أتم رسمها عام 1823. ويتبع اسلوبها المدرسة الرومانسية.

تحليل اللوحة: من الطبيعي أن تصيبك القشعريرة عند رؤية هذه الصورة. غويا أو ’جويا‘ استلهم هذه الأسطورة من الميثولوجيا الإغريقية. وهي تتحدث عن أول التيتان, قائد العمالقة أو (الجبابرة) واسمه بالإغريقية كرونوس. ويقابله في الميثولوجيا الرومانية ’ساتورن‘ وهو ولد عن طريق الآلهة اورانوس ’السماء‘ و غايا ’الأرض‘ حسب الأساطير الاغريقية.

وفقاً للشاعر الاغريقي هسيود وملحمته ’ثيوقونيا‘ التي تكلم فيها عن علم الأنساب للآلهة, وكتبها في القرن السابع أو الثامن قبل الميلاد. القصيدة تقول أن كرونوس غار من سلطة والده – اورانوس – حاكم الكون. وأستغل العداوة التي كانت بين والديه, بسبب أن اورانوس أخذ أصغر أطفال غايا, ذوي المئة ذراع والسايكلوب وقام بسجنهم في تارتاروس وهي هاوية يرمى فيها الأشخاص ليتم عقابهم أبدياً. والسبب هو أن اورانوس كره اشكالهم القبيحة, ولكنهم في نهاية الأمر كانوا ابناء غايا , ومهما كان, القرد في عين امه غزال. لذلك قررت الأم ولادة المزيد من العمالقة في السر ومن ثم طلبت منهم أن يأخذوا منجلاً وحرضتهم على أن يخصوا والدهم ومن ثم يحرروا اخوتهم من التارتاروس. كلهم جفلوا من الأمر الا أصغرهم وهو كرونوس (ولد ماما مايعرفش يقوللها لا) قبل بالأمر.

قامت غايا باعداد كمين لزوجها, وعندما حضر, هاجمه ابنه كرونوس على حين غرة وقام بقطع خصيتيه ورميهما في البحر. ومن هذا الفعل انفجر اورانوس غضباً واطلق تهديداً ووعيداً بالانتقام. ولأن اورانوس أصبح لا خصيتين الآن. استلم الحكم كرونوس, هو وأخته ريا ليحكما على الكون وعرفت بالعصور الذهبية. ولأن كرونوس كانت شخصيته تشبه والده قام بسجن ذوي المئة ذراع والسايكلوب مرة اخرى. (ياحرام المسوخ مافي حد يحبهم).

بعد فترة من حكمه, جاءته نبوءة من والديه بأن نهايته ستكون عن طريق ابناءه عقاباً له على ما فعل بوالده. (هو صاح امه هي اللي دفتله الطاجين, لكن توا تبرأت منه). ولهذا قام بابتلاع ابناءه التي ولدتهم له أخته ريا واحداً تلو الآخر, مثل هيستيا, ديميتر, هيرا, هيدس, بوسيدون. ولكن آخر هؤلاء وهو زيوس ولدته ريا في جزيرة كريت, ثم قامت باعطاءه حجراً مقمطاً (أو ملفوفاً بالملابس) فأبتلعه كرونوس معتقداً أنه تغلب على النبوءة. ولكن زيوس بعد أن كبر استطاع التغلب على والده واجباره على اخراج اخوته, بدءاً من الحجر حتى آخرهم.

هذه اللوحة تعتبر ضمن البنتوراس نيغراس وهو بالاسبانية يعني اللوحات السوداء وأطلق على 14 لوحة قام برسمها غويا على جدران بيته أثناء عزلته وبعد أن أصابه الصمم. جمال هذه اللوحات هو أنها لم تكن موجهة للعامة من الناس, ولذلك هو لم يفوّض أو يتلقى أي عمولة لرسمها. وانما هي نتاج رغباته الخاصة. وجميع هذه اللوحات لا نستطيع أن نقول عنها أنها ايجابية او متفائلة بسبب الطبيعة الكئيبة والالوان المظلمة التي فيها.

في اللوحة نستطيع رؤية كرونوس وهو يقوم بابتلاع أحد أبناءه, ورغم أن الفنان بيتر بول روبنز قام برسم لوحة مشابهة قبل 200 عام. الا أن لوحة غويا فيها من الوحشية والرعب أكثر من سابقتها. والبشاعة التي يقوم بها كرونوس في اللوحة هي الآثار الواقعية البربرية التي يجب أن نتخيلها عند التفكير بالاسطورة الاغريقية. بعيداً عن التحسين الجمالي وتزييف الحقائق.

 

احدى التحريفات التي قام بها غويا في هذه اللوحة أن الجسد الذي يقوم كرونوس بابتلاعه, ليس جسداً لطفل صغير. وانما لشاب بالغ, وهناك من النقاد من رأى ان الجسد يشبه جسد امرأة. وهذا الأمر يجعلنا أن نتساءل لماذا أراد غويا أن يرسم جسد امرأة شابة تقطع بين أنياب كرونوس العجوز؟ أحد الخبراء نايجل غليندينغ, أستاذ اللغة الأسبانية في جامعة الملكة ماري في لندن في السبعينيات. قال بأن اختيار غويا ينتج عن انعكاس لاحباطاته الشخصية مع الشيخوخة, ومرضه, وعلاقاته الفاشلة في الحب.

جدير بالذكر أن غويا أصابه الصمم وهو في ال46 من عمره. واما الحروب النابليونية والاضطرابات الداخلية في أسبانيا في عصره أثرت سلبياً عليه. وساهمت في عزلته. وهذه اللوحة مثلها مثل باقي اللوحات السوداء قام غويا برسمها مباشرة على جدران منزله. وبعد موته, تم نقلها الى قماش وعرضها في متحف ديل برادو في العاصمة الاسبانية مدريد. تفسير اللوحة لا يزال قائماً للنقاش, والأمر الأروع في كل هذا أن غويا لم يقم برسمها لأي أحد غير نفسه. [خرافة الفن].

 

 

 

 

ديلاكروا 1798-1863

 

 

 

مذبحة في خيوس 1824

 

ميديا 1862

ملخص الأسطورة وفقًا لما أورده الدكتور فيكتور د. ساليس في كتابه الميثولوجيا الحية:

كان ياسون ابنًا لأيسون ملك أيولكس في ثيسالي والذي خلعَه عن عرشِه أخوه بيلياس. وقد استطاع ملك أيولكس المسكين إخفاء ابنه عن عيون بيلياس ونواياه السيئة، فبعث به إلى غابة في ثيسالي، لكي يتعلَّمَ على يد حكيم هو القنطور خيرون. وعندما بلغ سن الرشد، أظهر المعلِّم له حقيقة هويَّتِه، حاثًّا إياه على المطالبة بحقِّه في العرش الذي يخصُّه.

وهنا بدأت الأحداث الدرامية الغنية بمعانيها تظهر في هذه الأسطورة. فما هي؟! أخيرًا “وصل ياسون إلى المدينة عندما كانت الألعاب فيها قد بدأت بمناسبة الاحتفالات لإكرام الآلهة الحامية للمدينة، فشارك في عدة مباريات وفاز فيها كلها” لدرجة أنه نال إعجاب الملك بهذا “الرياضي الخارق إلى هذا الحد” وحصل ما حصل عندما طلب المثول في حضرته، فتحقق لتوه من نبوءة عرَّاف دلفي الذي تنبأ له بأن عليه أن يخشى شخصًا انطبقت عليه مواصفات ياسون عندما سأل الملك العراف فيما إذا كان ثمة خطر يتهدَّد المملكة. لذلك وبعد حديث بين الطرفين “دبَّر عمُّه خديعةً للتخلُّص منه. فقال له: إذا أردت استرجاع مملكتك، فما عليك إلا البحث عن الجزَّة الذهبية، وإذا عدتَ حيًا في مسعاك هذا، فسيكون العرش من نصيبك. وكانت الجزة الذهبية لخروف رائع” – لن نخوض في تفاصيل قصة هذا الخروف ههنا.

إذن انطلق ياسون مع ثلة من أبطال الأساطير اليونانية على سفينة تم تجهيزها وفقًا لتوجيهات الإلهة أثينا لمواجهة العقبات التي سيلاقونها في طريقهم في الوصول إلى الجزة الذهبية. وبعد عدة مغامرات وصل ياسون إلى الجزة حيث كانت هناك جزة لخروف تم تقديمه كأضحية في سبيل الحصول على يد ابنة الملك في تلك المنطقة، وهكذا بقيت الجزة التي احتفظ بها الملك في حرج مقدس تحت حراسة ثورين رهيبين ذي حوافر برونزية وينفثان اللهب. وهكذا توجَّه ياسون إلى الملك ملتمسًا منه جزَّة الخروف، فاغتاظ الملك أيما اغتياظ من طلب ياسون الوقح لإدراك الملِك بأن الجزَّة كانت عطية من الآلِهة لسعادة المملكة، لذلك وضع أمامه كل العراقيل وحتى المستحيل نفسه لكي يتغلب عليه، فإذا استطاع التغلب على كل هذه العراقيل والمستحيل فحينئذ فليهنأ بالجزَّة، فستكون من الآن فصاعدًا ملكًا له، وكما ذكرنا أن هذه الجزة كانت عربونًا للأضحية التي قدمها صاحب الخروف في سبيل الحصول على يد ابنة الملك أيتس الذي اغتاظ أيما اغتياظ من طلب ياسون، والحقيقة أن الملك أيتس كان له ابنة أخرى، ما أن رأت ياسون حتى وقعت في حبه، ولكن من هي هذه الفتاة؟! إنها ميديا الرهيبة، وتدخلت أفروديت في الحدث الدرامي وأشعلت في قلبه حب ميديا، وهذه الأخيرة جعلته يُقسِم بأن يتزوج منها، وأن يأخذها معه إذا ما ساعدته في الحصول على الجزة. وبمساعدة ميديا الرهيبة استطاع ياسون فعلاً التغلب حتى على المستحيل الذي فرضه الملك ضمن الشروط التي وضعها أمامه لكي يتغلب عليها حتى يحصل على الجزة، فإذا به يتفاجأ أن ياسون قد استطاع قهر المستحيل والوصول للجزَّة، لكن المشكلة أن الملك ارتاع، ورفض الملك تسليمه صوفة الخروف الذهبية، إذاك تدخلت ميديا الرهيبة للمرة الرابعة ربما إن لم يكن العدد أكبر من ذلك، واستطاعت تذييل الصعوبة، وسلَّمت ياسون جزة الخروف، وهربت مع ياسون إلى سفينة آرغوس التي تم بناؤها وفقًا لتعليمات الإلهة أثينا، ولكن ما فعلته ميديا لكي تستطيع أن تخلص بروحها مع ياسون من مطاردة جنود الملك لهو أمر يعجز القلم عن وصف مدى فظاعته.

إذن عقدا قرانهما ووصلا إلى المملكة حيث كان عمه الذي اغتصب العرش من أخيه، واشترط حصوله على العرش أن يأتي بالجزة، والأمر كان خديعة لأنه كان يعلم مسبقًا أن الحصول عليها مستحيل فإذا به يجد ياسون أمامه وبيده الجزة الذهبية. إذًا كما الملك أيتس صاحب الجزة قد رفض تسليمه الجزة بعد تغلبه على المستحيل، نجد الملك بيلياس عمُّ ياسون يرفض بدوره تسليمه عرش المملكة، وهنا أيضًا تتدخل ميديا بطريقة فظيعة ولا توصف من حيث القسوة التي تتضمنها للتخلص من هذا الملك الطاعن في السن، وتنجح بمهمتها لكي تمنح لياسون العرش. ولكن ما لم يكن بعلم كل من ياسون وميديا ردة فعل مرؤوسي الملك بيلياس الذي كان مغتصبًا للعرش لكنه كان محبوبًا من قبلهم، وثارت ثائرتهم مما جعلهما يهربان إلى كورتثوس، حيث عاش ياسون عشر سنوات أنجب خلالها أبناء من ميديا. لكن المأساة عندما تبدأ فأين تنتهي؟! لقد وقع ياسون في حب غلوسه ابنة ملك كورنثوس، وهكذا بدأ ياسون يعيش في قصر ملك كورنثوس ليتهيأ للزواج من ابنته غلوسه، وهنا ولأول مرة تخفق ميديا بعد كل هذه الانتصارات الرهيبة والمذهلة في استرجاع ياسون إليها!! فما الذي حصل؟!

السؤال الذي يطرح نفسه أولاً: من هي هذه المرأة “ميديا” التي تتمتع بكل هذه القدرات الخارقة وهذه القوى الجبارة حتى تستطيع إنقاذ حبيبها وزوجها ياسون، وتجعله يحصل على ما يريد بطرق قاسية وفظيعة نتشكك من كونها تنتسب لامرأة الأمر الذي نوّه إليه الدكتور ساليس أن المرأة ليست كما تصورها لنا سينما هوليود تلك المرأة الناعمة والمثيرة جنسيًا، لا فانتقامها مروع إذا ما جرحها أحدهم في حبها، فإنها تتحول إلى لبوة مفترسة… إنها قوة البغضاء والانتقام، لكنني لن أقف عند هذا الحد من تفسير الدكتور، لأبدأ أولاً في معرفة من تكون ميديا؟!

بادئ ذي بدء كانت ميديا كاهنة للإلهة هيكيت… ولعلكم تتساءلون من تكون أيضًا هذه الإلهة؟ تجيب موسوعة الأديان فتقول:

كانت سلطة هيكيت في المناطق الجحيمية هائلة، وكانت تُسمَّى براتيانيا الموتى أو الملكة التي لا تُقهَر. وهيمنت على عمليات التطهير والتكفير. وكانت إلهة وسائل السحر. وأرسلت شياطين إلى الأرض لكي يعذبوا البشر. كانت هي نفسها تظهر ليلاً بصحبة حاشية من كلاب الجحيم. والأماكن التي كانت تسلكها في الغالب هي تقاطع الطرق، ونحن نعلم وفق قراءاتنا أن تقاطع الطرق بالنسبة للسحرة هو مركز لتجمع وتكاثف الطاقة لأن التقاطع يحوي اجتماع طريقين واحد عليك أن تتخلى عنه وآخر عليك اختياره، لذلك كثيرون يمارسون الطقوس السحرية في تقاطعات طرق خصوصًا في الغابات أو سواها… نعود إلى هيكيت فعدا ظهورها عند تقاطع الطرق كانت تظهر بالقرب من القبور أو مسارح الجريمة. وهكذا كان يمكن مشاهدة صورها عند تقاطع الطرق على هيئة أعمدة أو تماثيل للإلهة بثلاثة أوجه – وكانت تدعى هيقاتي الثلاثية – إلخ.

إذن عرفنا الآن شيئًا من حقيقة “ميديا” ومصدر قوتها الفظيعة الخالية من الرحمة أو أدنى حس في الشفقة إذا ما أرادت الحصول على شيء أو أن تنتقم من شيء!!

السؤال الذي يطرح نفسه، بم انتقمت من ياسون عند تنفيذه لعقد القران رغم محاولاتها اليائسة في استعادته إلى حضنها، لكن وكما يقول الدكتور ساليس على ما يبدو أن الحب يجعل مفعول السحر فاشلاً لا تأثير له!!

انتقام ميديا

نال اليأس من ميديا إذن، وهنا استسلمت للأمر الواقع، ولكن ليس هكذا بدون حساب، وأمام من؟! أمام ميديا الرهيبة!! إذن تصنع أروع ثوب زفاف لعروس في العالَم، مليء بخيوط من الذهب المسحور، وتتوجه إلى القصر بينما ياسون في بيته، وتقدم التهاني للعروس، معربة لها عن حسن نواياها، وأنها تريد في النهاية ياسون سعيدًا، وبما أن هذه سعادته فعليها التضحية، وترجو منها قبول هذه الهدية المتواضعة من ميديا المتواضعة والمسكينة التي استسلمت لقَدَرِها. ولكن كلَّ ذلك لعبة من ألاعيب أمكر امرأة في العالم. ما أن ترى غولسه ابنة ملك كورنثوس الثوب حتى يخلب ذهنها بجمالِه وفتنته، فترتديه، وهي في غاية الفرح والسعادة والنشوة التي ما أن تبلغ مبلغها من سرورها هذا حتى تشتعل خيوط الذهب التي تلف الثوب من كل جهة وتأتي النار على غلوسه. يُجنَّ جنون والدها ملك كورنثوس الذي يهرع لنجدة ابنته وسط النار لكي ينزع عنها هذا الثوب الملعون فتلتهمه هو الآخَر النار ويموت هو وابنته ميتة مروِّعة!

إذن، نفذت ميديا الانتقام الأول، والآن تتوجه في دربها المشتعل بنار الانتقام إلى ياسون الذي لا يعلم مما حصل أي شيء، وتعترف له بحبها أن تراه سعيدًا لذلك شاءت أن تقدم له هدية زواجه من غلوسه، قبل أن تغادر كورنثوس إلى المنفى راجية بدموع زائفة أن يقبل هدية زواجه، وكان صندوقًا مغلقًا بالمسامير لكنه يثير فضول أي إنسان إلى درجة هائلة في فتحه، يشكرها على امتنانها له وعلى تسامحها وهديتها، وما أن تغادر ميديا، حتى يفتح الصندوق بسرعة جنونية! يا للمصيبة! ماذا يوجد في داخل الصندوق؟!! رؤوس أبنائه الذين أتوا من زواجه بميديا خلال إقامته العشر سنوات في كورنثوس. يجن جنونه، يفتح الباب ليلحق بميديا وليقتلها. لكن من هو حتى يقتل كائنًا مثل ميديا. وتقول الأسطورة إن هذه الأخيرة تلقَّت من جدها الإله هيليوس (الشمس) عربة مجنحة ما أن وصل ياسون إليها حتى ارتفعت وطارت في السماء، والأدهى من ذلك أن الأسطورة تقول إنه رجع ليأسه إلى سفينته آرغوس واستلقى على سطح السفينة. وفي الليلة نفسها، وقعت الصارية الأساسية فوقه ساحقة إياه!

 

البعد السحري للأسطورة

الحقيقة أن الأسطورة تتناول مفهومًا في غاية الحساسية والتعقيد ويتعلق بما يسميه البرازيليون بالسحر الأسود، ولعل البعض يذهب بعيدًا في هذا الموضوع بخصوص النهاية الكارثية لحضارة الأطلنطيس. لست بصدد الشطح بالخيال، ولكن يمكن تناول الموضوع من جهة الأنثوي كما شاء الدكتور فيكتور د. ساليس. فمن منطلق قصة آدم وحواء، حين أكلت حواء التفاحة تملَّكَتْها قدرة سحرية في حقيقتها سوداء ولكن على نحوٍ لاواعٍ قامَت بتقديمها إلى آدم الذي تناول تلك التفاحة المشؤومة، أي وقع هو الأخير تحت تأثير هذا السحر، وهنا بدأت مصائب البشر بسبب هذا السحر الأسود. وهذا أمر في غاية التعقيد فالمشاعر والأفكار كلها طاقات والسحر يعتمد بشكل مباشر على الطاقة، ومن هنا فعندما تكون المشاعر والأفكار والنوايا سلبية فهي تمارس فعلاً سلبيًا يتجلى على نحو سحري من خلال مشاكل في حياتنا اليومية أو فخاخ عجيبة غريبة، وإحباطات، إلخ. كلنا يعرف ما للحسد على سبيل المثال من قوة تدميرية، وهكذا… والقضية، عندما يتحدث البعض عن قديسين أو روحانيين فهي ليست قضية مثالية، وإنما ببساطة هي قضية وعي ويقظة لئلا نقع تحت سطوة هذا السحر، ولعل أهم طاقة فاعلة هي الطاقة الجنسية، وهي تستخدم لغايات سوداء أيضًا، تثبت بعض الدراسات أنها أفضت بمن قام بممارسات كهذه، ولعل أشهرهم تاريخيًا ذلك الشخص الذي مارس القدرة الإخفائية في القرن التاسع عشر وهي طريقة هندية في الاختفاء لها ممارسات وعقيدة خاصة اسمه “أليستر–كراولي”، وكما يقول أومرام ميخائيل إيفانوف في كتابه التنين المجنح فقد أراد “أليستر–كراولي” أن يجري تجربة مشابهة لتلك الموجودة في “التيبت” فانغمس في تعقيدات السحر الأسود، وانتهى به الأمر إلى إصابة بعض النسوة البريطانيات بالجنون، حيث كنَّ موضوع تجارب بالنسبة له. امتلك هذا الرجل الوسيلة، ولكن، بأي ثمن حصل عليها. في المقابل فالبرازيل عرفت السحر الأبيض من خلال الـ Umbanda، والطاقة عينها حين تمارس على نحو سلبي تصبح الـ Quimbanda – ولعل ميديا عندما تطير في السماء هي صورة واضحة لما يسميه البرازيليون بشخصية الـ Bruxa أي الساحرة الشمطاء التي تمتطي مكنسة طائرة. إنها نفس الصورة يقدمها لنا اليونانيون لهذه الشخصية الشريرة. والقضية خاطئة منذ البداية، ذلك أن اقتران ياسون بميديا كان على أساس سحر أسود، وجنى بالنهاية تلك النهاية الفاجعة والمأساوية. والأمر أبعد من ذلك، فهو يتناول عالمنا كله الآن بشكل أو بآخر، ذلك أن عالمنا يتحالف مع هذه الطاقة بغية غايات أحد لا يعرفها، ولكن النهاية ها هي الأسطورة تخبرنا بها بشكلٍ واضح. وفي الحقيقة، يمكن تأليف كتاب كامل حول موضوع هذه الأسطورة. عذرًا، هناك أفكار كثيرة ليس بوسعي أن أعبر عنها الآن، لكن، أخيرًا وليس آخرًا هناك مثال جميل يطرحه الروحاني “ماكس هاندل” أحد أهم أعضاء جمعية الروزا كروز الإيزوتيرية، إزاء هذه القضية العسيرة، فالعمل مع الطاقة السوداء لهو أشبه بالأشجار والنباتات الخضراء التي تمتص غاز الكربون السام وتعمل على تحويله إلى أوكسجين تعمل على إطلاقه إلى السماء، وهذا ما يقوله الروحاني “ماكس هاندل”، لكنه يشدد على ضرورة تحلينا بالحكمة واليقظة والوعي لكي نعرف كيف نحول هذه الطاقات السلبية إلى طاقات إيجابية في حياتنا اليومية، راجيًا للجميع كل طاقات الحب، فالدكتور ساليس يذكر أن طاقة الحب أقوى من أية طاقة أخرى، على أن تكون في جو من الحكمة واليقظة والوعي.

البعد السيكولوجي للأسطورة

ما ذكرتُه آنفًا له صلة بشكل أو بآخر بموضوعنا ياسون وميديا، فإذا درسنا هذه الأسطورة من الجانب السيكولوجي فإن ميديا على حد تعبير كارل يونغ هي الأنيما السلبية لياسون، والأنيما كما هو معروف هي الأنثى الداخلية فينا، ولها جانب سلبي، ويقول أحد دارِسي يونغ

إن الظهور الأكثر براعة للأنيما السلبية نراه في بعض الحكايات الخرافية بهيئة أميرة تطلب إلى خطَّابها أن يحلوا لها سلسلة من الأحاجي والألغاز أو ربما، يختبئون منها. فإذا أخفقوا في تقديم الحلول، أو تمكنت من اكتشافهم بعد اختبائهم، يكون مصيرهم الموت، وهي تنتصر دومًا. إن الأنيما التي تتخذ هذا الستار تورِّط الرجال برهانات مدمِّرَة. وبوسعنا أن نلحظ آثار خداع هذه الأنيما في جميع الحوارات العصابية ذات الصبغة الفكرية الزائفة التي تمنع الإنسان من التماس المباشَر مع الحياة وتعقيداتها الحقيقية. إنه يتأمل في الحياة إلى درجة يتعذَّر عليه أن يحياها إذ يفقد عفويته كلها وأحاسيسه التلقائية. [بقلم: نبيل سلامة].

 

 

ويليام فريدريك ييميز 1835-1918

 

William Frederick Yeames

 

 

 

فان جوخ 1853-1890

 

سيجارة مشتعلة جمجمة هيكل عظمي 1885

 

 

إدوارد مونك 1863-1944

 

الصرخة 1895

تعتبر لوحة «الصرخة» باكورة أعمال الفنان التشكيلي النرويجي الكبير، إدفارد مونش، وأشهر لوحاته على الإطلاق، ويُجمع الكثيرون على أنها ثاني أشهر لوحة فنية بعد «الموناليزا»، كما يصفها النقاد ب«أيقونة الفن الحديث»، وبأنها رمز فني يُعبر عن قلق الإنسان المعاصر، حيث يجسد مونش في لوحته هذه صرخةً لشخص واقف على جسر حديدي قديم، وتبدو على وجهه علامات الخوف والفزع، وعَمدَ الفنان النرويجي إلى تلوين السماء باللون الأحمر الصارخ، في حين استخدم اللون الأسود لرسم البحر الذي يبدو هائجاً ومضطرباً، وقد أبصرت هذه اللوحة النور عام 1893.

شعبية عارمة

رغم بساطتها الظاهرية، إلا أن لوحة «الصرخة» اكتسبت شعبية عارمة، ويُرجع العديد من النقاد سبب تلك الشهرة إلى الشحنة الزائدة من الخوف والرعب فيها، حيث إنها تُمثّل حالةً ذهنية أكثر من كونها منظراً عاماً، لاسيما وأنها اشتهرت في فترة شهد فيها العالم حربين عالميتين، وما خلّفتهما من قتل ودمار وتشريد، ويظهر في الجزء الأمامي من اللوحة شخص شاحب الوجه يرفع يديه بمحاذاة رأسه، فيما تبدو عيناه محدقتين بهلع وفمه يصرخ، ويظهر خلفه شخصان يعتمران قبعتين سوداوين، وقد حدد الباحثون المكان الذي ظهرت بعض معالمه في اللوحة، وهو خليج «أوسلفورد» الواقع في أوسلو جنوب شرقي النرويج.

يتحدث إدفارد مونش في مذكراته الأدبية عن الظروف النفسية التي دفعته لرسم هذه اللوحة قائلاً: «كنت أمشي في الطريق بصحبة صديقين، وكانت الشمس تميل نحو الغروب عندما غمرني شعور مباغت بالحزن والكآبة، وفجأة تحولت السماء إلى لون أحمر بلون الدم. توقفت وأسندت ظهري إلى القضبان الحديدية من فرط إحساسي بالإنهاك والتعب. واصل الصديقان مشيهما ووقفت هناك أرتجف من شدة الخوف الذي لا أدري سببه أو مصدره، وفجأة سمعت صوت صرخة عظيمة تَرددَ صداها طويلاً عبر الطبيعة المجاورة».

تفسيرات

بعد ميلاد لوحة «الصرخة»، تباينت التفسيرات حول الحالة النفسية التي واجهها مونش في ذلك اليوم، إلا أن معظمها ركّزت على منظر السماء والغيوم المصبوغة باللون الأحمر الصارخ، الأمر الذي يُرجح أن يكون المشهد الذي عاشه مونش آنذاك قد ترك تأثيراً انفعالياً بالغاً في نفسه، ورغم أن للفنان النرويجي أعمالاً أخرى أقلَّ تشاؤماً وسوداوية، إلا أن لوحة «الصرخة» منذ أن أبصرت النور تحولت إلى مادة دسمة للمصممين وموضوع لقصائد الشعراء.

عمد الفنان النرويجي الكبير إلى رسم أربع نسخ من اللوحة ذاتها، اثنتين بالألوان، وأخريين بالباستيل، وقد تمت إضافة إحدى النسختين الملونتين إلى مجموعة المتحف الوطني للنرويج في أوسلو، والنسخة الملونة الثانية مع إحدى نُسخَتَي الباستيل إلى مجموعة متحف مونش، أما النسخة الثانية المرسومة بالباستيل، فقد بيعت بحوالي 120 مليون دولار لرجل أعمال أمريكي، وذلك خلال مزاد «سوثبي» للفن الانطباعي والحديث في نيويورك عام 2012، وقد كانت لوحة «الصرخة» هدفاً للسرقة مراراً، حيث سُرقت من المعرض الوطني، قبل أن يتمّ استرجاعها لاحقاً، وفي عام 2004 سُرقت النسختان المحفوظتان في متحف مونش، ولكن تمّ استردادهما عام 2006، وقد تسببت السرقات بإلحاق أضرار جسيمة باللوحة، في حين تمّ إرجاعها للعرض عام 2008 بعد ترميمها.

تجسيد القلق

يُجمع مؤرخو الفن على أن لوحة «الصرخة» لا تمثل منظراً طبيعياً أو حادثةً بعينها، بل إنها حالة ذهنية مُشبَعة بالمشاعر البشرية، وأنها «تجسيد حديث لقلق الإنسان»، نظراً لشحنة الدراما المكثفة فيها، والخوف الوجودي الذي تجسّده، ويقول يورون كريستوفرسن، الناطق باسم متحف مونش: «إن لوحة الصرخة عمل فني لا يقدر بثمن، وهي تمثّل رجلاً يعكس وجهُهُ مشاعر الرعب واقفاً على جسر وهو يمسك رأسه بيديه ويطلق صرخةً. على خلفية من الأشكال المتماوجة وتدرجات اللون الأحمر الصارخة».

في كتابه «عصر الصورة» الصادر في عام 2005، يتحدث الدكتور شاكر عبد الحميد، عن لوحة «الصرخة» قائلاً: «لقد وُجهت لتصوير ذلك الألم الخاص بالحياة الحديثة، وقد أصبحت أيقونة دالة على العصاب والخوف الإنساني. في اللوحة الأصلية تخلق السماء الحمراء شعوراً كلياً بالقلق والخوف، وتكون الشخصية المحورية فيها أشبه بالتجسيد الشبحي للقلق، ومثلها مثل الكثير من اللوحات الشهيرة الأخرى، فقد تم نسخ الصرخة وإعادة إنتاجها في بطاقات بريد وملصقات إعلانية وبطاقات أعياد الميلاد وسلاسل مفاتيح، واستخدمت أيضاً كإطار دلالة في فيلم سينمائي سمي الصرخة وظهر عام 1996، وتجسدت اللوحة في أقنعة بعض الشخصيات في الفيلم، حيث كان القاتل يرتدي قناعاً مستلهماً منها». [بقلم: أوميد عبد الكريم إبراهيم].

 

 

 

دالي: إصرار الذاكرة 1931

 

انمساخ نرجس 1937

 

 

وجه الحرب 1940

 

 

 

بيكاسو: الجورنيكا 1937

 

 

إيفان أولبرايت 1897-1983

 

لوحة دوريان جراي 1943

 

 

جيزلاف بيكشينسكي 1929-2005

Zdzisław Beksiński

 

هانز رودولف جايجر 1940-2014

 

نيكرونوم 4 1976

 

 

 

 

 

 

 

صور من حياتنا

 

جاذبية سري / نشر الغسيل 1949

 

عبد الهادي الجزار / دنيا المحبة 1952

ننقل ما كتبه صلاح قاسم ونقله صلاح بيصار عبر حسابه على الفيس بوك:

لا تزال رحلة الغوص مع “الجزار” فى مستنقع الميثولوجيا الملفوفة بالتناقض والغموض مستمرة فى قاع المجتمع الشعبى، بينما ظل الفنان يستدعى الانطباعات والصور المتنافرة من مخزون عقله الباطن، مغلفة بحس تشاؤمى مُبهم، حيث يتصارع الموت مع الحياة، والرغبة الجسدية مع العبادة والتصوف، والعجز والجدب مع الخصوبة والخير والعطاء
فى لوحة “دنيا المحبة” (1952) التى لا ندرى ما إذا كان أبطالها يجلسون عند باب الحارة القديمة، أو فى باحة مسجد، أو وكر للبغاء، أم أنهم يؤدون فصلا من الجنون على خشبة مسرح العبث؟ حيث جلست المرأة بثيابها الريفية، مستندة على الرجل، وقد مالت برأسها، مسبلة العينين، بإيماءة موحية، ممسكة سنبلة، تشير رمزيا إلى خصوبة المرأة الريفية وقدرتها على العطاء، مُتحرِّقة رغبة لرجل مخنث، لا يستطيع التواصل معها، بملامحه الأنثوية، وخديه الناعمين.. يتدلى القرط من أذنيه، ويطوِّق الكردان عنقه، بثوبه الأبيض ذو الطوق المستدير على الصدر كثياب النساء، وغطاء الرأس المزركش الذى يشبه مناديل رأس بنات البلد. وبينما أشارت له بسنبلة العيش، نرى الأفعى، رمز الموت، تتدلى من يده، ليقطع عليها الشك باليقين، فتدرك أنه عاجز عن مبادلة “الهوى” مجدب، عقيم.
وقد شكَّلت كل وحدة من وحدات المشهد علاقة رمزية، تدور فى تقابلها مع الوحدات الأخرى حول الصراع الأبدى بين متناقضات الحياة، حيث صنعت أشكال السنبلة والطائر والبيضتين والثعبان.. علاقة تدور العين غبرها فى حلقة تنطوى على مضمون رمزى بالغ الإيحاء والدلالة، فجلس الطائر على حافة الآنية يراقب بشغف حبات القمح، غير عابئ بتأهب الثعبان للانقضاض عليه، وأكملت البيضتان فى الآنية دورة الميلاد والموت، وبينهما الحياة والرزق. أما الرجل المخنث فيعزف مع المرأة على نفس الأوتار لحنا آخر لصراع المتناقضات، بين رغبة المرأة الممسكة برمز الخصوبة، فى مقابل عجز المخنث القابض على الموت عن التواصل- رغم التحامه بها. أما الخلفية فقد احتوت على مزيد من العلاقات المتناقضة، حيث يتقابل الرجل الساجد يصلى مع غواية المرأة العارية، وبينما اتجه بصلاته نحو فتحة فى جدار، تشبه فتحات القبور فى الريف (ربما ليوحى أن مثل هذا القابض على دينه فى قاع المجتمع المكتظ بالعبث والمجون.. إنما يميل نحو الآخرة)، نجد المرأة العارية وقفت أمام تجويف يشبه المحراب، لتضيف إلى المتناقضات فصلا من العبث، وقد تقابلت- أيضا- مع امرأة على الجانب الآخر، اتشحت بالسواد، بالقرب من أريكة خشبية عتيقة، لا يجلس عليها أحد، توحى بانتظار هذه الجنوبية الأبدى للمجهول.
وقد توافقت معالجة الأشكال المُحوَّرة مع غرابة الموضوع، بمفرداته التى استدعاها الفنان من اللاوعى، فخرجت مبهمة، متنافرة، تثير الدهشة والحيرة.. حيث احتل مركز التكوين نصب المرأة الريفية (أم الخير) ودرويشها الرفاعى المخنث مركز التكوين، يشبهان تمثالين عملاقين، بأطراف مبالغ فى ضخامتها، بدت كأنها قُدَّت من حجر، واتسقت مع تلخيص الكثير من تفاصيل كتلة الرجل النحتية المصقولة الراسخة، لتضيف المزيد من الإيحاء بسكونيته وجموديته وعجزه، فى مقابل ليونة ثنيات أردية المرأة والأساور المدندشة التى أضفت عليها قدرا من الحيوية، اتسقت مع ملامحها ذات الإيماءة الموحية.

 

سيف وانلي / صراع في سيناء 1968

 

جمال السجيني / العروسة 1968

نقلا عن دراسة بعنوان (قراءة في لوحة «العروسة» للفنان التشكيلي جمال السجيني) للكاتب ياسر جاد منشورة على موقع: (حانة الشعراء).

احتل الفنان الراحل جمال السجيني مكانة بارزة في تاريخ الفن المصري الحديث والمعاصر بما اقتطعته أعماله من منزلة واحترام وتقدير في نفوس الجميع. وبما طرحه من معالجات تشكيلية مختلفة ومميزة، ارتكز فيها على وجهات نظر تخطت حدود ذاته، وذهبت إلى الهموم والقضايا التي أهمت محيط مجتمعه، والتي عكس من خلالها ما جاش في نفسه من شعور وحس تجاهها وتأتي لوحة (العروسة) والتي نحن بصددها واحدة من اثنا عشر عملا تصويريا سجل من خلالها المبدع جمال السجيني معايشته لواحدة من الهزات التي زلزلت كيانه وكيان محيطه. كما جاءت تلك المجموعة لتشهد على اجتيازه واجتياز مصر لواحدة من أشد العثرات في النصف الثاني من القرن العشرين. وهي تلك الفترة الواقعة بين عامي 1967 و 1977، تلك الفترة التي اجتازها جمال السجيني وغيره من معاصريه بدءا من مرارتها التي صاحبت انتكاسة يونيو 1967 وما صاحبتها من مذاقات لمرارة تلك النكسة، وسنوات الإحباط الست التي تلتها، ووصولا إلى ظهر ذلك اليوم المجيد من شهر رمضان والذى شهد تلك الهبة التي أفطر فيها المصريون على رشفات الفرحة التي روت عطش ست سنوات من صيامهم عن مجرد الابتهاج، وختاما بسنوات أربع ارتوت فيها مصر من رحيق النصر واستمتعت بحلاوته.

الراحل جمال السجيني كان من هؤلاء المبدعين الذين كانت تشغلهم تلك الهموم والقضايا التي تمس مجتمعهم، بل وصلت تلك الهموم والقضايا إلى حد أنها صارت بمثابة الحطب لنار إبداعه المتوهج، وطرحه الدائم والمميز، والذي أكسبه تلك المنزلة الرفيعة والمميزة بين أبناء جيله، بل بين أبناء وطنه بشكل عام. فهو ذلك الفنان الذي طال إبداعه يد وعين كل مصري من معاصريه وكذلك من ملايين تلت جيلهم. فمن منهم لم تقع في يده تلك القطع المعدنية فئة العشرة قروش والتي صاغها جمال السجيني وعبر من خلال نماذجها التي نقشها في مناسبات عدة. فيحسب لجمال السجيني أنه أكثر مثّالي مصر الذين تم استنساخ أعمالهم من خلال إصدار تلك العملات المعدنية من قبل الدولة.

وجمال السجيني كمثّال من مثّالي مصر الكبار والمهمين في العصر الحديث، هو غني عن التعريف وقد يقصر المقال عن ذكر مناقبه في فن النحت المصري الحديث. والذي تبوء فيه منزلة رفيعة تسطر فيها مئات الصفحات. لكن أكثر ما جذبني لذلك العمل التصويري من مجموعته عن العروسة والتي استضافتها (قاعة الزمالك للفن في مطلع عام 2015) في عرض خاص ضمن مجموعته التصويرية، ذلك العمل الذي فضل مثّال مصر الكبير جمال السجيني صياغته من خلال معالجات تصويرية وليس من خلال حلول الكتلة المنحوتة؛ تلك المعالجة التي عكست شعور ومشاعر ملايين المصريين، فقد واجه جمال السجيني حامل رسمه ليصور تلك المرأة، والتي نعتبرها جميعا مختلفة عن كل النساء، فهي الصبية التي لا تشيخ، وهي العذراء التي أنجبت ملايين الأبناء، كعبة الحضارة وكاسرة الأباطرة، والتي على عتباتها سحقت هامات الأرذال. يقف جمال السجيني ليصورها مختزلا في مشهدها تلك الحزمة من المرارة، ويظهرها في مشهد يحمل ذلك العمق المرادف لمشهد الاعتراف المنفي في عقيدة المصري القديم ولكن مع فارق المقام والتفسير.

وهذا العمل الذي يعد واحدا من ضمن مجموعته (العروسة) والتي يقصد بها مصر بلا اجتهادات في تأويل ما كان يقصده بالعروسة، تلك المجموعة المميزة والتي أراها من وجهة نظري واحدة من أفضل الوثائق البصرية والتي توثق لحدث جلل وتاريخ عاصره البعض منا، بل وذهب أبعد من ذلك بأن وثق لأحاسيس ومشاعر ومرارة سكنت النفوس ونالت من الهمم وكسرت فروع أشجار الأحلام لدى الملايين من معاصريها.

وباقتراب من العمل والدخول إلى تفاصيله، نجد أنفسنا أمام العديد من تلك الأضداد في ظاهرها، إلا أن التأمل عن كثب في مشهد العمل يجعلنا نجزم بأننا أمام نظائر في حقيقتها، وقد برع جمال السجيني مدعوما بصدق شعوره وفرط انتمائه في تصوير ذلك المشهد الذي عكس ما بداخله من انكسار وصدمة، يصلان في بعض المساحات إلى تعبير عن عدم التصديق، واللوحة من صنف تلك اللوحات التي تحمل صفة التجريب في تقنيتها، بل تعد نموذجا في تناول السهل الممتنع، وقد نوع جمال السجيني في تقنيته التي تعامل بها مع السطح وكذلك التي تناول بها وجهة النظر، وجاء خلطه وحبكته يحملان توازنا بين تنويع الخامات وبين إظهار المفهوم، فقد أتت خلفيته شبه الصلبة المتمثلة في سطح السيلوتكس خادمة ومتحملة لتلك الخامات المتنوعة المضافة، بل ولعبت دور الحماية لتلك التفاصيل الرقيقة في زخارف الزي الذي ترتديه تلك المرأة. أما عن ذلك المزج المقصود لتلك التنويعة من الخامات المختلفة. فقد أوقفنا جمال السجيني أمام تجاربه في التعامل مع الخامات المتنوعة، وكان يمكن له أن يتعامل مع مسطحه بشكل كلاسيكي من حيث اقتصار حلوله على استخدام الألوان الزيتية فقط والتي لم يكن ليعجز عن سرد رؤيته البصرية من خلال استخدامها دون إدخال خامات متعددة. إلا أننا نلحظ في وضوح خلطه بين الألوان الزيتية والورق المعدني باللون الفضي وعجائن الريليف وقطع الزجاج والمرايا، ناهيك عن العجائن الخاصة بالملابس والتي أتت موزعة بشكل متوازن في جنبات اللوحة.

لقد أكد جمال السجيني على تنويعة خاماته والتي أكسبت العمل طابع الأيقونة وأظهرت بعض الأبعاد في موضوع العمل. على الرغم من كون السجيني قد أكد على فكرة التسطيح، والتي ربما أسعفته لتحقيق تلك الدفقة المحققة لوجهة نظره. والتي أجزم أيضا بأنه كان في حالة سبق إصرار على خروج العمل من خلال ذلك الخلط، ربما لإيضاح دلالات بعينها، أو ربما كانت إضافته لبعض الخامات كالزجاج والورق المعدني. كنوع من الاقتراح بضرورة وجود تلك التغيرات على الجسد المجتمعي والفكر المصري بشكل عام، وضرورة التفكير بأساليب مغايرة لما هو متبع، كنوع من الحلول للخروج من تلك الانتكاسة، وإيجاد عوامل مساعدة تسهم في جبر ذلك الكسر البالغ الناتج عن تلك السقطة أو العثرة والتي تمثلت في العمل مشار إليها بقدم العروس المكسورة والعاجزة عن الحركة، إلا من خلال استخدامها للعكازين.

وعلى الرغم مما أظهره جمال السجيني من ملامح مرهقة للعروس ووجه حزين وجسد منهك وقدم معتلة من جراء صدمتها، إلا انه أظهرها في كامل حلتها وأفضل زينتها وأبهتها، وكأنه أرادها في حالة من الجاهزية إذا ما كتب لها التعافي، وقد جاء حله لاستعانتها بهذان العكازان ذو مغزى أعمق مما بدى عليه المشهد، ربما أراد أن يدلل على أمنيته لها بالتعافي دون مساعدة من أحد، وربما تمنى أن يبلغها بثقته في أنها ستجتاز محنتها بمفردها من خلال استنادها على ما تمتلكه من جلد وصبر أبنائها، وتاريخها الضارب جذوره في عمق الزمان.

وقد لعب رداء (العروسة) دورا هاما في العمل، ونجح جمال السجيني في جعله مسطحا ضاما لكامل جملته، وعبر من خلاله عن كامل الجسد المصري من بشر وحجر ومعالم وآثار وحضارة، وذلك من خلال تلك القطع من المرايا والتي تزين الرداء. والتي تمكن من يشاهد العمل من رؤية اجزاء من نفسه داخل العمل مما يجعله مشتبكا في المشهد لا إراديا. وجاء ما يمثل تطريز الرداء موضحا رمزية لأهرام مصر. وجاءت زخرفة الذيل بما يمثل تلك البنايات الصناعية ذات الأسقف المخروطية والتي صاحب إنشائها تلك العثرة، وانتهت أطراف المروحة التي في خلفية العروسة بتلك العرائس التي تزين أسطح المساجد، وتدلت منها ما جاء محاكيا لتلك الأيدي المنبثقة عن شمس آتون العمارنة. و(العروسة) في مجمل هيئتها مثلت تلك الهيئة الكلاسيكية المحاكية لدمية الفاطميين والتي يرمز بها لاحتفالات المولد النبوي في مصر، ولم يغفل جمال السجيني نفسه والذي جاء اسمه في أعلى (المروحة) التي تزين رأس (العروسة) مرسوما بخط ريليف أحمر ومكتوبا بشكل موظف، يعتلي فيما يشبه رسما لتمثال أبو الهول وجاء اسمه بصورة مرادفة لتوقيع جمال السجيني المشهور والذى يقع في أسفل يسار العمل. وهكذا ضرب لنا المبدع الراحل جمال السجيني نموذجا يدرس في فن الرمزية الحاملة للدلالة بصورة تعد نموذجا يحتذى به، وقيمة تشكيلية متمثلة في وثيقة بصرية لا تغفلها عين الفاحص والمتخصص ولا يجد العامة مشقة في قراءتها، كما أن العمل يعد نموذجا فريدا في فن الوثيقة البصرية التاريخية والتي تتخذ من التشكيل وسيلة تعبيرية لا تسجل الحدث التاريخي فحسب، بل تتخطى تلك الحواجز لتصل إلى عمق المشاعر المصاحبة للبشر المعاصرين لذلك الحدث. وقدم جمال السجينى على مر تسع سنوات أكثر من اثنا عشر عملا للعروسة، أعرض منهم ستة أعمال من باب متعة المطالعة لتلك التجربة النادرة، ولاشتراك الأعمال الستة في التقارب في القياس، تلك التجربة التي انتقل فيها الفنان جمال السجيني بعروسه عابرا جسرا ممتدا بين كبوة النكسة وفخر الانتصار.

وربما لا يتسع المقام للغوص في تلك التجربة الثرية. والتي ترصد معالجة تشكيلية مختلفة لواحد من أساطين الفن المصري الحديث والمعاصر. والذي أكد على امتلاكه لبراعة في التعامل مع فن التصوير، وكذلك قدرة على ممارسة التجريب بمعناه الحقيقي والموظف، دون مبالغات فجة وحشوات لا قيمة لها، وحس ينم عن إلمام بأبعاد قضاياه ومقاصد طرحه ذلك الحس الذي يفتقر إليه العديد من ممارسي التجريب بشكل عام.

 

جبر علوان / التنورة الصفراء 2005

 

يوهانس فيرمير

 

لويس إيجيديو ميلينديز

 

ذات مرة في هوليوود

القصة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الحبكة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحكي الفيلم عن معاناة ممثل أمريكي -ريك دالتون Rick Dalton- بسبب التغييرات التي حدثت في صناعة السينما بهوليوود في الستينيات وتأثيراتها السلبية على مسيرته الفنية التي تنعكس سلبا على صديقه وشريكه كليف بوث Cliff Booth.

 

ويصادف به أن يكون منزله مجاورا لمنزل المخرج المتألق رومان بولانسكي Roman Polanski وزوجته الممثلة الصاعدة بقوة شارون تيت Sharon Tate. ويسرد الفيلم خطان متوازيان لريك وشارون وصولا إلى نقطة التلاقي,والمتمثلة في حدث هجوم عائلة مانسون Manson Family.

 

الخط الأول للحبكة يسرد قصة ريك دالتون وهو ممثل على قدر من الشهرة يعاني من آثار فترة التحول في هوليوود التي أنهت عصر أفلام رعاة البقر -المساحة التي اشتهر فيها- وبدأت عصر جديد. يرافقه صديقه كليف بوث ومؤدي المشاهد الخطرة بديلا عنه,وعلى ذلك ينعكس مصير ريك الفني على مصير كليف المهني سلبا أو إيجابا.

 

الخط الثاني يجذب المتلقي لمشاهدة تفاصيل حياة الممثلة شارون تيت قبيل ليلة مقتلها.

 

كاتب السيناريو هو ذاته مخرج الفيلم كوينتين تارانتينو Quentin Tarantino الذي أستغرق في كتابة السيناريو خمسة سنوات,وهي فترة طالت ليس لبراعة السيناريو بل لتردد تارانتينو في الإرتكاز على نقطة معينة يروي منها قصته,وذلك واضح من سياق السرد المستخدم في الفيلم الذي أتى متذبذبا إلا أنه لم يخفت وهج هذا العنصر الذي يميز تارانتينو مع الحوارات الساخرة. الأخيرة جاءت بشكل ممتع وأكثر من جيد في الفيلم إلا أن السرد يمكن وصفه بـ نصف خطي وهو الأمر الذي أختلف عن إسلوب تارانتينو اللاخطي في السرد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[2] الإيقاع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الإثارة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الكثير من النقديات تم التأكيد على أن الإيقاع بالفصل الأول من الفيلم كان مملا للغاية. بل وذهب البعض في تحليلهم أن ترانتينو تعمد توصيل هذا الملل للمشاهد لإيصال معنى معين. وإن كنت سأزيد على ذلك فأقول أن ترانتينو تعمد أن يكون الفصل الأول مملا للبعض لإيصال معنى,وممتعا للبعض لإيصال غاية أخرى. حيث بدأت المتعة بالنسبة للكثيرين مع الفصل الثاني من الفيلم,رغم أنها موجودة مع بداية الفيلم إلى نهايته,هي فقط تحولت إلى النوع المعروف في الفصل الثاني. هذا التحول نوضحه بتوضيح أنواع الإثارة التي تنتج عنها متعة المتلقي. وتنقسم الإثارة الجمالية إلى نوعين؛الإثارة التشويقة والإثارة الإبهارية. تلك الأخيرة هي التي بدأت مع الفيلم وأستمرت حتى نهايته وصحبها التشويق بدئا من الفصل الثاني.

 

الإثارة التشويقية هي التي تثير لدى المتلقي مشاعر الترقب والمفاجأة,أما عن الإثارة الإبهارية فهي التي تثير مشاعر العجب والدهشة والإنبهار. الفرق بين الأولى والثانية هي التشويق والإبهار. الأولى تمثل القيم الجمالية الشعبية,والثانية هي الأقرب إلى القيم الجمالية المتعالية.

 

أولا التشويق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تم بناء التشويق في الفيلم على عدد من العناصر,العنصر الأول فيها هو الشخصيات. أول تلك الشخصيات هي شارون تيت,حيث يكفي فقط حضورها في العمل لخلق صورة أولية مؤكدة للمشاهد عما هو مقبل عليه,حتى لو تمثل هذا الحضور في وضع إسمها فقط على بوستر الفيلم مرتبطا بمارجوت روبي,أو في القصة الدعائية للفيلم,بدون أي ظهور فعلي لها,وهو ما لم يحدث بأي حال من الأحوال. بل نالت ثلث المساحة السينمائية في ظهورها على الشاشة -وإن أتى طفيفا بعيدا أقرب إلى السطحية بالنسبة للبعض- وظهرت في مقتطفات جميلة من حياتها الإجتماعية والفنية. وهي مقتطفات وضعها الكاتب ونفذها المخرج وأدتها الممثلة بهدف توظيفها للإستفزاز العاطفي والتحفيز التشويقي المبني على معرفة مسبقة لدى المشاهد للمصير الأسود الذي ينتظهر هذه الشابة الملائكية,وعلى ذلك يثير المخرج تعاطفنا مع الضحية التي تملك خلفية واقعية,خاصة مع كل ما جرى لها في خاتمة حياتها.

 

يعيب هذه النقطة فقط أمران,الأول أن الكاتب / المخرج اعتمد على المعرفة المسبقة للمشاهد الأمريكي بحادثة مقتل شارون تيت,وأسرف في المحلية لدرجة أنه تجاهل تماما المشاهد العالمي,الشرقي أو العربي أو ربما الأوروبي حتى الذي قد لا يكون لديه علم بجريمة قتل الممثلة الشابة,وهي حادثة شهيرة جدا ومعروفة على مستوى كبير في أمريكا. بالرغم من أنه كان عليه الإستفادة من نصيحة ملك التشويق ألفريد هيتشكوك التي تنص على “لو أجتمع رجلان على طاولة وانفجرت بهم القنبلة,لن يكون بنصف الإثارة الناتجة عن لو جعلنا المشاهد يرى مؤقت القنبلة وهو يعد تنازليا قبيل انفجارها بغض النظر هل ستنفجر فعلا أم لا”. والمغزى أنه كان بمقدوره أن يظهر نية عصابة عائلة مانسون بقتل شارون تيت من البداية ويجعل المشاهد متحفزا حتى نهاية الفيلم الصادمة,خاصة مع وضعه للساعة على الشاشة التي ساهمت في رفع التوتر وشد الأعصاب لدى المتلقي.

 

الأمر الثاني هو أن المخرج عرض حياة شارون من الخارج فقط,وبالرغم من كونه فعل ذلك لغرض معين,وبالرغم من نجاحه في جذب تعاطف المشاهدين إلى الممثلة والمعتمد أصلا على المعرفة المسبقة,إلا أنه كان بإمكانه زيادة جرعة الإثارة والتشويق بجعل المشاهد قريبا أكثر من الضحية الموشكة على مصيرها.

 

ثاني تلك الشخصيات هو كليث بوث,وقد أشار المخرج في أكثر من موضع كم هو خطير هذا الرجل,ونسرد هذه الإشارات في المظاهر الآتية.

 

1-حركاته ولكنته وثقته البادية بنفسه.

 

2-دعاه ريك مازحا بـ أودي مورفي وهو ممثل سينمائي وبطل عسكري أمريكي.

 

3-طريقة قيادته المتهورة وبالغة الخطورة لسيارته أثناء عدوه بها ليلا في الطرقات ذاهبا إلى بيته.

 

4-بيته عبارة عن كوخ أو عربة في منطقة مهجورة في العراء خلف سينما سيارت قديمة وخالية إلا من بضع عربات وشاحنات.

 

5-وجود مسدس على الطاولة في بيته بصورة توحي باعتيادية حمله للسلاح.

 

6-تربيته لكلب قوي مدرب جيدا لإطاعة الأوامر,والكلب من نوعية بيتبول؛الفصيلة الأقوى والأشرس في العالم بين الكلاب. وقد تجلى أثر التدريب على الكلب في امتناعه عن الإقبال على الطعام إلا بعد إشارة من صاحبه,رغم شدة الجوع البادية على ملامح الكلب ونظراته وحركة ذيله ولعابه الساقط.

 

7-طريقة قفزه أثناء صعوده لسطح البيت في ثلاث قفزات من أجل إصلاح وضبط لاقط الإشارة / الهوائي الخاص بالتلفزيون,ومشيته المتزنة على سطح البيت المائل.

 

8-كونه مؤدي للمشاهد الخطيرة بديلا عن الممثل,ويتجلى إتقانه لوظيفته في محادثتين.

 

الأولى في اللقاء مع ريك وكليف حين تم الإشارة إلى خطر كسر القدم الذي قد يعطل تصوير الممثل لفيلمه,إلا أن الدوبلير مخصص طبقا لوظيفته أن يتحمل ذلك.

 

والثانية في العبارة التي قالها صديقه ريك عنه وهو يقدمه للمنتج أو المخرج (لا أذكر إسمه):

(يمكنك فعل أي شيء به,يمكنك رميه من على مبنى,أو إشعال النار فيه,أو اصدمه بسيارة,كن مبدعا .. افعل ما تريد إنه سعيد بالفرصة).

 

9-خلفية غامضة عن جريمة قتله لزوجته والتي لم يتم تأكيدها أو نفيها في الفيلم,بل وتم التلاعب عليها في أكثر من زاوية.

 

10-إشارة ريك لكونه بطل حرب.

 

11-تصاعد التوتر واشتعال الأجواء بينه وبين عصابة مانسون في وكرهم في ظل غياب مانسون,وإقدام كليف على التهديد الظاهر أمامه غير عابئ بالخطر الذي يحدق به. بل ودارت معركة من طرف واحد بينه وبين رجل من العصابة أهدر فيها كليف دماء الرجل وكرامته أمام نساء العصابة.

 

12-المعركة التي حدثت بينه وبين بروس لي,وبغض النظر عن المعاني الأخرى الكامنة في المعركة فإن المخرج وظفها جيدا من أجل إظهار مدى قوة وشراسة كليف بوث. إن مجاراته لبروس لي في القتال ونديته معه وربما هزيمته له لهي أكبر دليل على قدر ما يملك من القوة والمهارات القتالية. فمن أفضل من بروس لي (أقوى رجل في العالم) لإستخدامه كمقياس ودلالة على ذلك,وقد تعادل الخصمان في لعبتهما القتالية.

 

13-حتى اللحظات الأخيرة قبيل بدء المعركة كان واثقا متماسكا وساخرا أمام العصابة المحيطة به بمسدس وسكاكين,حتى أنه شعر بمقدمهم قبيل اقتحامهم المنزل.

 

الشخصية الثالثة هي تشارلز مانسون والتهديد الصادر منه ومن أتباعه.

 

المكون التشويقي الثاني يكمن في الإخراج وهو ما سنتطرق إليه تفصيلا في موضعه.

 

يتمثل المكون التشويقي الثالث في التلاعب بتوقعات المشاهد,وذلك يحدث في أكثر من موضع

 

1-التريلر يعرض مشهد حماسي لليوناردو لا يحدث إلا في فيلم بداخل الفيلم.

 

2-يعرض الفيلم تتابع لموقف سمج حدث بين كليف وزوجته المقتولة ويتوقع المشاهد أن هذا هو مشهد قتلها,ولكن لا يحدث شيء.

 

3-مرة أخرى يستدرج المخرج المشاهد لتوقع حدوث مصيبة ما في المزرعة المحتلة من قبل أتباع مانسون وكليف المحاصر بينهم,ولكن لا يحدث أمر جلل.

 

4-مشهد اقتحام مجموعة من أتباع مانسون لبيت ريك بدلا من بيت شارون,وهو المشهد الذي شكل النهاية الصادمة.

 

بقى أن نذكر أن التشويق يخفت في العمل بسبب نقطتان,الأولى هي الخلفية التاريخية الغائبة عن الكثير من المشاهدين. والثانية هي خلو العمل تقريبا من أي تحولات مهمة على خط الأحداث,عدا النهاية بالطبع. إلا أنه عوض ذلك بعدة مشاهد تشويقية حتى وإن أتت كاذبة ولا تفيد الأحداث.

 

ثانيا الإبهار

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والمتمثل بشكل أساسي في ثلاثة أمور

 

أولا عرض صناعة السينما بالتركيز على الجانب التمثيلي ثم الإنتاجي منها,لتولد لدى المشاهد مشاعر الإعجاب والانبهار لدى كشف بعض أسرار الصنعة.

 

ثانيا عرض فترة الستينات وما صاحبها من متغيرات جديدة على عصرها وقديمة في عصرنا مولدة شعور الانبهار ممزوج بـ شعور الحنين إلى الماضي (النوستالجيا) في قلب المشاهد,وقد ختم هذا العرض الجميل بمشهد اللافتات التي تضيء في نهاية الفيلم.

 

ثالثا وضع الكثير من الإشارات والإحالات إلى عدد كبير من الأفلام,وهو أمر ممتع للغاية بالنسبة لمن شاهدوا الكثير من الأفلام ولديهم شغف حقيقي بالسينما,هؤلاء يتذوقون متعة أن ترمي أو تشير إلى فيلم شاهدته وتحبه فيكاد المشاهد يصرخ فرحا وإنتشاءا مثل الذي يشاهد فيلم وتذكره ويريد أن يشاهده مع صحبة أو يجد صحبة تتبادل الحديث عنه. خاصة لو كان هذا المشاهد على دراية وربما شاهد جميع الأعمال المشار إليها في فيلم ترانتينو التاسع.

 

ويعيب الابهار أن المخرج أسرف قليلا -بل وغالى بالنسبة للبعض- في عرض جماليات العصر الذهبي للسينما الناتج عن ارتباطه العاطفي بها,على حساب إهمال عناصر أخرى في الفيلم أدت إلى بطء الإيقاع إلى حد المملل بالنسبة للكثيرين.

 

[2] الدراما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتمثلت أهم العناصر الدرامية في الجذب / الإبتزاز العاطفي الذي يستخرجه المخرج قصرا من المشاهد إعتمادا على عاملين مرتبطين بشارون,الأول هو المعرفة المسبقة لدى المشاهد للمصير الأسود الذي ينتظر البطلة الجميلة. والثاني هو عرض المخرج لعدد من اللحظات الجميلة التي فتنت المشاهد وزادته هما وأسفا على مصير الفتاة.

 

[3] الكوميديا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استندت الكوميديا بشكل أساسي على عناصر الحوار وأداء الشخصيات,وهي من نوع الكوميديا السوداء التي أحتوت الفيلم بتصنيفها,والكوميديا السوداء هو نوع تشويقي يجمع بين البوليسية والكوميديا. ويحتوي هذا الفيلم على عناصر الإثارة والتشويق والجريمة والغموض والكوميديا التي جعلته ينتمي إلى هذا التصنيف.

 

[3] الخطاب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يجب التنويه أن المشاهد يحتاج إلى مرجعية تاريخية بمتغيرات وأهم أحداث تلك الفترة في أمريكا لكي يفهم أغلب نقاط الخطاب في الفيلم,خاصة حادثة مقتل شارون تيت وظهور جماعة الهيبيز. وأيضا مرجعية سينمائية قوية من مشاهدات عديدة أو حتى قراءات عن الأفلام.

 

[1] توثيق التاريخ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ريك وكليف هم ثنائي خيالي وضعهم تارانتينو وسط أحداث حقيقية وشخصيات حقيقية للتعبير عن حدثين مرتبطين وهامين في تاريخ السينما. الأول هو التحول الحادث في هوليوود بفترة الستينات,والثاني هو هجوم عائلة مانسون. وتمثلت الشخصيات الحقيقية في شارون تيت ورومان بولانسكي وستيف ماكوين وتشارلز مانسون وبروس لي. وقد بنى تارانتينو حكايتى الفيلم على هذين الحدثين. بطل الحكاية الأولى هو الممثل الخيالي ريك دالتون,وبطلة الحكاية الثانية هي الممثلة الحقيقية شارون تيت.

 

أولا فترة الستينات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الزمن داخل الفيلم هو عام 1969,أي في نهاية الستينات ومداخل السبعينات وهي فترة صاحبتها العديد من التغييرات على الصعيدين الثقافي والفني. تلك الأخيرة طال فيها التغيير مختلف الفنون,في الموسيقى ظهرت موسيقى الروك والبوب ومهرجان وودستوك Woodstock وميلاد شخصيات تعد رموز موسيقية وثقافية في القرن العشرين مثل إلفيس بريسلي Elvis Presley ومايكل جاكسون Michael Jackson وفريق البيتلز The Beatles. وفي الموضة ظهرت صيحات الشارلستون Charleston والميني جيب Minijupe وأنماط أخرى أنيقة وغريبة. وفي السينما صعود التلفزيون إلى مكانة تنافس السينما,وبدأ ينتهي عصر أفلام رعاة البقر,وظهور علامات مهمة في صناعة السينما والمتمثلة في المخرج رومان بولانسكي وآخرون.

 

أما على الصعيد الثقافي فطالت المتغيرات الجوانب السياسية (نيكسون – فيتنام),والإجتماعية (تشارلز مانسون),والعلمية (نيل آرمسترونغ Neil Armstrong),والثقافية (الثورة الطلابية في أوروبا). إلا أن تلك الأخيرة يمكن حذفها لأن الفيلم لم يتطرق إلا للتغييرات الأمريكية في المقام الأول.

 

ثانيا عائلة مانسون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هي عصابة إجرامية طائفية أسسها المجرم الشهير والموسيقي تشارلز مانسون Charles Manson في أواخر الستينات حيث قامت طائفته بعدد من جرائم القتل أشهرهم جريمة قتل الممثلة الأمريكية شارون تيت في سنة 1969. وجريمة مقتل شارون تيت معروفة جدا في الذاكرة الأمريكية وهي تماثل جريمة مقتل سعاد حسني المعروفة جدا في الذاكرة المصرية.

ولأن أغلب العصابة من النساء كانوا يعيشيون في مزرعة سبان Spahn Ranch مقابل خدمات جنسية لصاحب المزرعة جورج سبان George Spahn.

 

[2] صياغة التاريخ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من النقاط المهمة في حديثنا عن الخطاب هي نهاية الفيلم,حيث قدم تارانتينو في فيلمه التاسع خاتمة تعد من أقوى نهايات الأفلام في تاريخ السينما. كما يمكن تصنيفها كذلك ضمن النهايات الصادمة. تميزت النهاية الصادمة بالفيلم بأربعة سمات.

 

1-نهاية غير متوقعة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حيث عكس الكاتب المصير الحتمي المنتظر للملاك المذبوح شارون تيت على يد الشياطين الجزّارة التابعة لتشارلز مانسون.

 

2-نهاية غير مفهومة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من أنواع النهايات الصادمة,أن تكون غير متوقعة لدرجة تكاد توقع المشاهد من على كرسيه,أو أن تقدم خاتمة تعيد صياغة جميع الأحداث السابقة من منظور آخر,والثالثة أن تكون غير مفهومة,ولا يدري المشاهد ما يحدث. وتتشارك الأنواع الثلاثة باللاتوقعية أو الصدمة.

 

 

 

3-مفهوم جديد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقد قام تارانتينو بخلق مفهوم جديد للنهايات الصادمة والمتمثل في تحريف التاريخ وإشعال النار في الذاكرة البشرية / المدونة التاريخية ليعلي الحدث السينمائي على الحدث التاريخي. “إنه لا يقيم وزنا لما حدث بالفعل على أرض الواقع عندما يصفعك برؤيته المتخيلة التي تعلي من شأن السينما فوق الواقع،ضاربا بتوقعاتك المسبقة عرض الحائط”(1). حيث يفاجَئ المشاهد بأن المخرج خدعه ورمى بالحقيقة التي كان ينتظرها ليعطيه تخيلا نجح في نسجه بـ خيوط / أحداث خيالية مخلوطة بوقائع حقيقية. ويتجلى ذلك في أفلامه الثلاثة ذات مرة في هوليوود وأوغاد مجهولون وجانغو الحر.

 

4-الجمع بين نقيضين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أشار الناقد محمود مهدي في مراجعته للفيلم(2) إلى عدد من المتناقضات التي أستطاع تارانتينو أن يجمعها في النهاية العظيمة لفيلمه الخالد,ومنها نذكر.

 

1-أن المخرج أوضح بصورة رمزية أن الخلاص كان أمام المجرمين ولكن أعينهم أعماها الحقد والكراهية فلا تراه. وكان ذلك في مشهد إحتراق الفتاة القاتلة في حمام السباحة لما كانت النار تلتهم نصف جسدها العلوي حتى ماتت بينما كان بإمكانها أن تغوص في المياه المحيطة بها من كل جهة لتنقذ نفسها.

 

2-أن النهاية أتت مريحة وأليمة في ذات الوقت. مريحة في كونها إعادة سرد لتلك الليلة السوداء مع إنزال العقاب الدموي على المجرمين وقتلهم بطرق وحشية لا تقل عن ما فعلوه بضحيتهم شارون تيت ورفاقها. وأليمة في كونها ذكرتنا بتلك المأساة وما كان يمكن أن يحدث لو أن هؤلاء المجرمين قد تورطوا مع شخص مثل كليف بوث أو بروس لي.

 

كما تحمل النهاية عدد كبير من الرمزيات أكثر مما نذكر في المقال,مثل أن صوت شارون تيت يأتي كأنه من عالم آخر ليكون التصوير البصري (منظور عين الإله) والسمعي (صوتها من خلف حاجز) محيطا للمشاهد بالصورة الملائكية لشارون تيت كأنها آتية من عالم آخر,ربما عالم الموت,أو السماء. وفي إشارة أخرى ذكية نجد إرتباطا بينها وبين ريك دالتون بسبب عدة ظروف مما يجعلها طوق نجاة ينقذ الممثل الساقط من الفشل بعد أن أنقذها من الموت. وغير ذلك الكثير من الدلالات والإشارات الذكية.

 

 

 

 

 

 

[3] سينما عن السينما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سينما عن السينما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا الفيلم يعد واحد من الأفلام التي تحدثت عن السينما بصورة واضحة ومباشرة مستعرضا التفاصيل الإنتاجية ومركزا على التفاصيل الأدائية ومتباهيا بقدراته التصويرية وموثقا لفترة ذهبية من تاريخ السينما حُفظت في ذاكرة طفولة صانع هذا العمل.

 

[2] الفيلم داخل الفيلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والمتمثل هنا في تفاصيل صغيرة تخلق قصة أخرى داخل قصة الفيلم,وعرض هذه القصة يكون أيضا من خلال فيلم داخل الفيلم. وقد أستخدم تارانتينو هذه التقنية السردية سابقا في فيلم اقتل بيل Kill Bill,ويعيد إستخدامها هنا بتفاصيل أكبر,مثل

 

-مشاهدة شارون لفيلمها The Wrecking Crew 1968 مع الجمهور في قاعة العرض. شخصية ممثلة (مارجوت روبي) تؤدي دور ممثلة (شارون تيت) تشاهد نفسها في شخصية ثالثة (فريا كارلسون).

 

-مشاهدة ريك لأعماله متحسرا على النجومية التي مضت,والمجد الذي لن يأتي.

 

-إعادة سرد لما قد يكون عليه فيلم الهروب الكبير من بطولة ليوناردو دي كابريو / ريك دالتون بدلا من ستيف ماكوين.

 

-عرض المقابلات التلفزيونية لـ ريك دالتون.

 

-الإسراف في عرض أجزاء من المسلسل الذي يجسد فيه ريك دالتون دور الشرير.

 

-عرض مقاطع من الأفلام الإيطالية التي شارك فيها ريك دالتون.

 

-خداع المشاهد في العرض التشويقي (تريلر Trailer) -والذي يعد فيلما دعائيا عن الفيلم السينمائي- بأن جذبه إلى مشهد يوحي بالحركة والقتال (الأكشن Action) برغم أنه من فيلم داخل فيلم تارانتينو,ولا يعد حقيقيا في القصة,فهو لم يحدث مع أبطال العمل.

 

-خداع المشاهد مرة أخرى بمشهد النهاية الذي يعد فيلما وثائقيا تصوريا لما كان يتمنى تارانتينو أن يكون,أي أن الفيلم لا يوثق إلا تخيلات تارانتينو,ومع ذلك فهو يسجل الجريمة بتحويلها إلى علامة من علامات السينما في مشهد النهاية الخالد.

 

[3] صناعة السينما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تظهر صنعة السينما في عدة مظاهر بهذا العمل

 

1-تم صناعة هذا الفيلم من توليفة جمعت أنماط سينمائية عشقها تارانتينو.

2-كما ذكرنا بالأعلى ركز الفيلم على النواحي الإنتاجية والأدائية والتصويرية والتوثيقية.

3-إستخدام تقنيات مرتبطة بالسرد السينمائي الذي يميز السينما عن الفنون الأخرى.

 

[4] مرسم الأفلام ومصنع الأحلام

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعرض الفيلم مفهوم التمثيل / الأداء على جانبيه المهني والفني,حيث أصبح الفن صنعة,والموهبة ابتلعتها المهنة,والاحتراف صار عادة. الفيلم عن شخصيات تعمل في هوليوود,وتريد أن تتحقق,بقدر ما تريد أن ترتزق.(3)

 

بتعبير آخر مزج المخرج في رؤيته للعمل السينمائي بين الفيلم والحلم.

 

[5] كان يا ما كان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في هذا الجزء من الخطاب السينمائي في الفيلم تكون من بداية الفيلم المتمثلة هنا في عنوانه,وهو (ذات مرة في هوليوود Once Upon a Time in Hollywood) والمقتبس عن سرجيو ليوني ومقدم إليه تقديرا واعترافا من مخرج عظيم (تارانتينو) بعظمة مخرج آخر (ليوني). الأخير صاحب فيلمي ذات مرة في الغرب,وذات مرة في أمريكا. ولا يخفى على أحد التشابه بين العناوين الثلاثة. وقد أستبدل تارانتينو أمريكا والغرب في فيلمى ليوني بـ هوليوود في فيلمه التاسع.

 

يحمل العنوان دلالة أخرى غير الإحتفاء بالمخرج سرجيو ليوني,فسياسيا كاليفورنيا هي ولاية أمريكية وجغرافيا هي تقع في الغرب الأمريكي. وبذلك يحمل العنوان إشارة إلى هوليوود كمصدر للعنف لما عُرف عن العنف السائد في الغرب الأمريكي القديم الذي ربط تارنتينو الفيلم به في ثلاثة مظاهر. الأول وهو العنوان كما أوضحنا. والثاني هو موضوع الفيلم الذي تناول فيه فترة إندثار سينما الغرب الأمريكي ورعاة البقر التي كان بطل الفيلم ليوناردو ديكابريو بطلا فيها بشخصية ريك دالتون. والثالث هي الجريمة البشعة التي أنهت عصر هوليوود الذهبي على أيدي تشارلز مانسون وعصابته.

 

الدلالة الثالثة للعنوان هو الإشارة إلى كون قصة الفيلم عبارة عن حكاية خيالية والذي يأتي كتلميح للنهاية العظيمة الغير متوقعة في الفيلم. النهاية الخيالية والمتجلية في العنوان الذي تستخدم كلماته كتعبير شائع في الغرب لقص القصص الخيالية حيث تعادل عبارة (ذات مرة في …) في الغرب عبارة (كان يا ما كان في …) لدينا في الشرق.

[6] عاصمة السينما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحاول المخرج إبراز الوجه الآخر لهولويوود,والمنقسم لشقين

 

الأول هو الواقعية

لكي يربط بين السينما والواقع تعمد تارانتينو أن يطيل في بعض أجزاء الفيلم التي لا تتعدى كونها مشاهد لممثلين يشاهدون أنفسهم على الشاشة,مستخدما تقنية المعايشة (عرض مشاهد بوقتها الفعلي أمام المشاهد) ليفرط واقع الحكاية على المشاهد باعتباره واقع حقيقي بالرغم من تلميحه إلى كونه واقع خيالي في عنوان الفيلم وتأكيده على ذلك في نهايته.

 

الثاني هو الترك حيث قدم لنا المخرج تارانتينو والممثل ديكابريو معاناة نجم متوسط الأهمية أنطفأ نجمه ونسي أمره وتم نبذه من أحضان هوليوود بدون أي اعتبارات لأعماله السابقة في مدينة السينما.

 

[7] المرجعيات السينمائية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قائمة ببعض الأعمال السينمائية التي تم الإشارة إليها في الفيلم

 

1-ذات مرة في أمريكا Once Upon a Time in America

2-ذات مرة في الغرب Once Upon a Time in the West

3-طفل روزماري

4-فريق التحطيم The Wrecking Crew 1968

5-أوغاد مجهولون

6-داي هارد Die Hard 1988

7-خطر على الجبل Menace on the Mountain 1970

8-الهروب الكبير

9-بروس لي ضد النينجا Ninja vs Bruce Lee 1987

10-تيس Tess 1979

 

والقائمة تكثر عن ذلك,لكن هذا ما جمعته ذاكرتي حاليا.

 

ويجب أن نذكر أيضا أن ترانتينو اختار 10 أفلام تحتوي على نفس الأجواء من فيلمه وصدرت في فترة الستينات,وهي

 

1-بوب وكارول وتيد وأليس Bob & Carol & Ted & Alice 1969

2-زهرة الصبار Cactus Flower 1969

3-الراكب السهل Easy Rider 1969

4-موديل شوب Model Shop 1969

5-معركة بحر المرجان Battle of the Coral Sea 1959

6-الحصول على الاستقامة Getting Straight 1970

7- فريق التحطيم The Wrecking Crew 1968

8-رأس المطرقة Hammerhead 1968

9-فيلم Gunmans Walk 1958

10-فيلم أريزونا رايدرز Arizona Raiders 1965

 

[8] سينما تارانتينو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قائمة بالمحاور التي تميز أسلوب تارانتينو السينمائي

 

1-الإنتقام العادل

2-جمالية العنف

3-المرجعيات السينمائية

4-الحوارات الحاذقة

5-السرد الغير خطي

6-التناول الساخر

7-النهايات الصادمة

8-مشاهد الرقص

8-السرد السينمائي

 

وكل هذه المحاور لها تواجد في هذا الفيلم بدرجات متفاوته,وسنتناولهم بشئ من التفصيل في قسم الإخراج.

 

[9] السرد السينمائي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سنتناول هذه الفقرة في قسم الإخراج.

 

[10] الخلطة الترانتينية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويتم صنعها من مجموعة من الأفلام التي أحبها تارانتينو تميل إلى الأجناس السينمائية المهمشة والرديئة,وتندرج تحت تصنيف أفلام الإثارة الرخيصة المسماة بأفلام الجراند هاوس Grand House Movies من نوعية الأفلام الحركية / القتالية (الأكشن). ومنها أنواع مثل أفلام الغرب الأمريكي (ويسترن وإسباجيتي),والأفلام القتالية الآسيوية,وأفلام الحركة / الأكشن من الدرجة الثانية. ويمزج أيضا مع تصنيف آخر متمثل في أفلام الرعب من نوعية جيالو والتي تجلت في مشهد المزرعة ولها إشارات مصاحبة لشارون خاصة في المشهد الأخير. ويضيف على ذلك أجواء من أفلام الجريمة.

كما حمل فيلمه طابعا من أفلام التسكع Hangout Movies. وبالطبع نظرا للشغف الواضح بالسينما الذي يغلف هذا الفيلم فهو بذلك ينتمي إلى الأفلام السينيفيلية Cinephilia Movies.

وبطبيعة الحال أيضا ينتمي الفيلم ولو من خلال إشارات مستترة إلى أفلام السينما الفوقية (ميتا سينما Meta Cinema) وهي الأفلام التي تخبر مشاهديها أنهم يشاهدون عملا خياليا.

 

[11] السينما مقابل التلفزيون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بإعلانه موت العصر الذهبي للسينما بموت شارون تايت يؤكد تارانتينو على حضور التلفزيون كوسيط منافس للسينما رغم كونه إبنا لها.

 

[12] رعاة البقر والأبطال الخارقين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تضمن الفيلم إشارة إلى أنواع سينمائية ستصير مهيمنة على السينما مثل أفلام الأبطال الخارقين,وأيضا فإنه يعد بنهاية عصرها مثلما أنتهت موجة أفلام الغرب الأمريكي. وتتم المقارنة كثيرا بين فترة رعاة البقر وفترة الأبطال الخارقين من قبل الكثيرين من المهتمين بالسينما.

 

[13] الشاشة الذهبية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إتباعا للمدرسة الما بعد حداثية تحمل المظاهر المختلفة بالعمل معنى آخر يؤكد سمة مهمة لسينما هذه المدرسة وسينما تارانتينو التدميرية. وهي السينما التي لا تعكس الواقع بل التي تُبنى على منجزات السينما السابقة,أي خيال منبثق من الخيال وذلك بصورة ما يشكل تدميرا للواقع. ومن تلك المظاهر.

 

1-صياغة التاريخ التي تعطي تصورا سينمائيا مخالفا ومتحديا الصور المثبتة تاريخيا في الواقع.

 

2-الإحالة إلى عدد من الأعمال السينمائية المتنوعة والمتفاوتة ما بين الأفلام الكلاسيكية وأفلام الدرجة الثانية (أفلام الفئة B).

 

3-الإغراق في المظاهر الفيلمية من نوع (الفيلم داخل الفيلم).

 

4-صناعة سينما تتحدث عن السينما ونقل المشاهد إلى عاصمتها هوليوود وإيضاح الصورة الذهبية والصورة السوداء عنها وتقديمها للمشاهد على حد سواء.

 

[14] نماذج بطولية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يعقد المخرج مقارنات بين عدد من النماذج البطولية التي قام بعرضها في الفيلم,وهي

 

1-الفنون القتالية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والمتمثلة في الفيلم بذكر محمد علي كلاي,وعرض القتال بين بروس لي وكليف بوث,وربما حضور زوي بيل أيضا.

 

2-الغرب الأمريكي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والمتمثلة في الفيلم ببعض النواحي في شخصية كليف بوث وفي الشخصيات الخيالية التي يؤديها ريك دالتون.

 

3-الأبطال الخارقين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والمشار إليها بفترة التحول في هوليوود والتي أنهت عصر أفلام رعاة البقر وبدأت عصر أفلام جديدة,وهنا الإشارة إلى بعض الأنواع السينمائية التي شاعت في الألفية الثالثة ومنها أفلام الأبطال الخارقين.

 

4-سينما الرعب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والبطل هنا هي شارون تيت التي خلق المخرج هالة من أجواء الرعب والغموض حولها صانعا داخل فيلمه فيلم رعب هي بطلته والذي يفترض أن ينتهي بموتها بأشنع الطرق وأكثرها دموية,وكذا كان يمكن أن يفعل مع كليف بوث.

 

5-النجم السينمائي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والبطولة هنا مشتركة بين بطلين يمثلان نجوم السينما هما شارون تيت وريك دالتون.

هذا غير عدد من الوجوه السينمائية الأخرى مثل آل باتشينو وبروس لي وجودي فوستر وستيف ماكوين.

 

وما بين ريك دالتون وشارون تيت تتجلى مفارقة النجم الساقط بوضوح في سقوط نجم وصعود آخر,سقوط ريك وصعود شارون.

 

وهناك نقطة ثالثة تبرز هنا وهي تكريم النجوم. فيلم تارانتينو يعد إحتفاءا بعدد كبير من نجوم السينما في المجال الإخراجي والأدائي,ومنهم نذكر ستيف ماكوين ورومان بولانسكي وشارون تيت وآل باتشينو وبروس لي و سيرجيو كوربوتشي وكوينتين تارانتينو وكيرت راسل وجودي فوستر وسرجيو ليوني وشارلي شابلن.

وتنوعت مظاهر هذا التكريم في الفيلم ما بين تجسيد لنجوم مثل بروس لي وشارون تيت,أو حضور لنجوم مثل آل باتشيونو وكيرت راسل أو إحالة لأعمال نجوم مثل سرجيو ليوني وكوينتين تارانتينو.

 

والنقطة الرابعة تتمثل في الحوار الدائر بين عشاق بروس لي وعشاق تارانتينو في قضية بروس لي؛احتفاء أم ازدراء؟ وبرغم أهمية توظيف بروس لي في الفيلم لأغراض عديدة مثل إظهار الفترة الذهبية من هوليوود,وتبيان قوة كليف بوث. إلا أن تارانتينو زاد قليلا في السخرية ونسب إليه صفات ليست فيه,على الصعيد النفسي والجسدي.

 

تأتي النقطة الخامسة المتفرعة من محور بطولة نجوم السينما بعنوان محاكمة بولانسكي, حيث أدان تارانتينو المخرج بولانسكي في قضية اغتصاب قاصر التي تم توجيه إتهاماتها سابقا إلى المخرج البولندي في عدد من المظاهر التي تم تصويرها داخل الفيلم. أكثر هذه المظاهر دلالة هي مشهد الحوار بين كليف بوث والفتاة الهيبية حين يمتنع عن ممارسة الجنس الفموي معها بعذر أنه لا يريد السجن لمضاجعة قاصر.

 

[15] إدارة الممثلين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفيلم أيضا يوجه الضوء على معاناة الممثل في تجسيد الشخصيات وتقمص الأدوار معطيا دروسا تمثيلية مجانية.

 

[4] إثارة الجدل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتطرق تارانتينو في أفلامه إلى مواضيع حساسة تمثل صور مختلفة للشرّ البشري,النازية والعبودية والطائفية والسادية.

 

وفي الأخير يجب أن نذكر أن تارانتينو قدم لنا في تحفته الأخيرة نص سينمائي به الكثير من المواقع الخطابية التي لم نقف عليها كلها في هذا المقال,بل والمثير للدهشة أننا راعينا أن لا نكثر على القارئ حتى لا يتشوش ذهنه أو يشعر بالتكرار,وقد أغفلنا إتباعا لهذا القرار العديد من النقاط المهمة في الفيلم,والتي ربما قد نناقشها في مقال آخر عن الخطاب السينمائي في فيلم ذات مرة في هوليوود

 

 

 

 

 

[4] الشخصيات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك ثلاث نقاط يجب التحدث حولهما قبل الدخول في التفاصيل.

 

الأولى هي طاقم الممثلين المكون من ألمع نجوم السينما الأمريكية,على رأسهم أول تعاون بين ليوناردو ديكابريو وبراد بيت,وبرفقة المخضرم آل باتشينو.

 

الثانية هي الحوار الذكي الذي ساهم في صنع عدد من المشاهد التشويقية والكوميدية.

 

الثالثة هي العلاقات الثنائية أولا بين ريك دالتون وكليف بوث صديقه الوفي,والتي كان يجب أن ينظر لها المخرج بمزيد من العناية والإهتمام بدلا من إغفال أي تفاصيل عنهما كما فعل بالفيلم,وتم وصف هذه العلاقة على لسان الراوي بأن كليف صديق يحتل مكانة أكثر من أخ وأقل من زوجة بالنسبة لريك وهو تعبير صعب تعجبت له,وقد استوحى الكاتب بطلاه من حياة الممثل بيرت رينولدز Burt Reynolds والممثل هال نيدهام Hal Needham مؤدي المشاهد الخطرة بديلا عنه,وقد قدم الممثلان صداقة جيدة منعكسة من الصداقة الحقيقية بين الممثلين. ثم هناك العلاقة الثنائية التي تم الإشارة إلى حدوثها بعد النهاية بين شارون تيت وريك دالتون,وكما وضحنا هي علاقة بين نجم صاعد ونجم ساقط. وثالثا العلاقة الثنائية الكوميدية بين زوي بيل وكيرت راسل (لا أذكر أسماء شخصياتهم في الفيلم).

 

[1] الشخصيات الرئيسية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ريك دالتون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ريك دالتون Rick Dalton هو ممثل يعاني من أزمة ناتجة عن تواجده في إطار زمني على الصعيدين الداخلي والخارجي. يتمثل الزمن الداخلي في تجاوزه لمنتصف العمر ومروره بالأزمة الوجودية المعروفة (أزمة منتصف العمر Midlife Crisis). ويتمثل الزمن الخارجي في الشهر الثاني (فبراير) من سنة 1969. وهي فترة رافقتها العديد من التغيرات الثقافية على الصعيد الإجتماعي والفني. حرب فيتنام,حركة الهيبيز,موضة الميني جيب والشارلستون,موسيقى الروك آند رول. وسينمائيا الفترة الإنتقالية في هوليوود والتي على إثرها بدأ يخبو تألق أفلام الويسترن,التي كان ريك بطلا شهيرا فيها,تحديدا الأفلام من نوع ب B Movies. وبصورة عامة بدأت تتراجع الأفلام عن هيمنتها لتفسح بعض المساحة للمسلسلات التي بدأ عصرها الحقيقي في تلك الفترة. وقد أفل نجم ريك دالتون نادما أنه كان السبب في توقف مسلسل ويسترن شهير من بطولته يحمل إسم Bounty Law.

 

تعامله مع الأزمتين (أزمة منتصف العمر وأزمة الفترة الإنتقالية في هوليوود) تمثل بجانبه السلبي في إدمانه شرب الويسكي,وإنفجاره في نوبات بكاء متحسرة رثاءً لذاته. أما عن تعامله الإيجابي فتمثل في رغبته بالإنتقال إلى نوع آخر من أفلام الأكشن,وهي البوليسية, ولقائه مع وكيله شولتز الذي نصحه بالعمل في أفلام الأسباغيتي الإيطالي -نوع من أفلام الويسترن- التي يخرجها سيرجيو كوروبوتشي. سيرفض أولا مقاوما الفكرة تماما ومبديا نفوره من هذا النوع من الأفلام,ثم يخضع أخيرا ليذهب إلى إيطاليا في رحلة عمل لمدة ستة أشهر يكسب فيها بعض المال وزوجة إيطالية جميلة ويعود بعدها إلى أمريكا ليستقر في بيته متحولا من علاقة الصداقة مع هيث إلى علاقة الزوجية مع فرانشيسكا,في وداع جميل بينهم لا ينهي صداقتهم ولكن ينهي فقط زمالتهم.

 

أداء ليوناردو ديكابريو Leonardo DiCaprio للشخصية لم يكن في أفضل أحواله,كان متخبطا ومعتمدا فحسب على نجوميته الكبيرة من مقام الصف الأول -خاصة في أجزاء من مشاهد دموعه المتأثرة- عدا في بعض المشاهد التي يسطع فيها الأداء المتقن والمنتظر من ممثل بهذا الحجم. ومن تلك المشاهد

 

1-حوار ريك مع الطفلة الصغيرة

2-مشهد تحسره ولائمته لنفسه على أدائه السيء

3-حرقه لأحد أفراد عائلة مانسون

 

هناك ثغرة سيئة تضعف الشخصية وتضعف النهاية قليلا رغم سهولة تجنبها,وهي كيفية احتفاظه داخل بيته بقاذف لهب حقيقي يستخدم في الحروب؟.

 

[2] شارون تيت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتصادف أن ريك يتمتع بجيرة الممثلة الصاعدة بقوة شارون تيت Sharon Tate,التي تستحوذ على الخط الثاني للأحداث خاصة وأن إسمها هو الذي بني عليه الحدث الأخير المنتظر من قبل المشاهدين في نهاية الفيلم,وأيضا قد بني على إسمها وإسم مانسون التوتر الحادث في الفصل الثاني مع كليف وعائلة مانسون.

 

هذه هي الوظيفة الأولى للشخصية -خلق التشويق,والوظيفة الثانية هي المساهمة في خلق الإبهار للمشاهد والذي تجلى في واحد من أجمل مشاهد الفيلم,وهو مشهد دخول شارون دار السينما لمشاهدة أحد أفلامها بدون جدولة أي مواعيد مسبقة لتكون واحدة من الجمهور ولتشاهد نفسها داخل أحد أفلامها وانعكاس أدائها الكوميدي على ضحكات الجمهور وعلى ذاتها.

 

قامت بتنفيذ الدور الممثلة الصاعدة بقوة مارجوت روبي Margot Robbie وهي اختيار ممتاز من المخرج حيث جسدت الشخصية أدائا ومظهرا. فهي جميلة من نوع الحسناء الشقراء ذات البشرة البيضاء والعيون الزرقاء,وهناك شبه بين النجمتان تكاد ترى ملامح شارون في ملامح مارجو,والإثتنان متطابقتان في طول قامتهما 168سم. ثم هناك الأداء المشحون بموجات من الحيوية والسعادة حيث تمثلت حالة النجمة الصاعدة في كلتي الجميلتان شارون ومارجو,فكأن الأخيرة تعبر فقط عن فرحتها بالإشتراك في فيلم عظيم لتارانتينو وقد تجلت الفرحة والبراءة في ملامحها وملابسها وحركاتها وتعبيراتها وحواراتها ونظراتها.

 

[3] كليف بوث

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كليف بوث Cliff Booth هو مؤدي المشاهد الخطرة بديلا عن ريك دالتون وصديقه ومساعده وسائقه,وينبثق خط فرعي للأحداث من بطولته في عدد من المشاهد بالغة الأهمية,ربما هي الأهم في الفيلم. ولهذا يمكن عده بكل أريحية العنصر الثالث في البطولة الثلاثية المكونة من ريك وكليف وشارون وقد نال ظهور كبير على الشاشة.

 

الدور كان من نصيب النجم الرائع براد بيت وانعكاسا لكونه يجسد شخصية مؤدي للمشاهد الخطرة يعطيه المخرج جميع المشاهد الخطرة بالفعل في الفيلم. وهي.

 

1-مشهد قتال كليف مع بروس لي

2-مشهد كليف في مزرعة الهيبيز

3-مشهد كليف في مواجهة عائلة مانسون.

 

أفضل أداء تمثيلي في الفيلم كله كان يمكن أن يذهب لبراد بيت Brad Pitt دون أدنى تردد لولا أن بطولة الفيلم ذهبت لليوناردو مما أثقل من وزن أداء الأخير أمام أداء براد الذي لم يختل توزانه رغم ذلك. وكان صاحب الحضور الأقوى -وليوناردو صاحب الحضور الأكبر- وقدم هيبة كليف على الشاشة دون أي تكلف أو مبالغة عدا في المشهد الأخير حيث انطلقت ضحكته المجنونة قبيل انعكاس هذا الجنون على تصرفاته مع العصابة. ولو تجاوزنا التردد يمكن القول أنه قدم الأداء الأفضل في الفيلم. يعيب الشخصية كما ذكرنا أن المخرج سلط الضوء كثيرا على بطل الفيلم ليوناردو / ريك ليغفل أي ذكر عن حياة شارون أو كليف, دون حتى أن يعطينا المزيد من التفاصيل المهمة عن حياة ريك.

 

[2] الشخصيات الثانوية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-عائلة مانسون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقد ظهر من هذه العصابة في الفيلم كل من لينيت فروم Lynette Fromme وتجسيد داكوتا فانينغ Dakota Fanning,وفتاة الـ بوسي كات Pussycat وتجسيد مارغريت كوالي Margaret Qualley,وكاثرين شير Catherine Share وتجسيد لينا دنهام Lena Dunham,وفتاة الهيبز من تجسيد مايا ثورمان هاوك Maya Thurman Hawke (أتسائل إن كانت الخلافات بين أمها وترانتينو حقيقية؟) والفتاة بلو Blue من تجسيد كانساس بولينغ Kansas Bowling. والظاهر أن تارانتينو أختار مجموعة من الحسناوات الشابات للتأكيد على أن تشارلز مانسون كان يحيط نفسه بحفنة من الفتيات الصغيرات الجميلات خاصة وأنهم في المزرعة التي تمثل وكرهم الذي كانوا يسكنون به مقابل ممارسة الجنس مع صاحب المزرعة كما ذكرنا بالأعلى.

 

أما عن الرجال فكان أوستن بتلر Austin Butler في دور المجرم تشارلز تيكس واتسون Tex Watson وأداء مشكور منه,ودامون هاريمان Damon Herriman في دور زعيم العصابة تشارلز مانسون Charles Manson,وأداء موحي بالرغم من عدم نيله مساحة على الشاشة (حتى أن بعض المشاهدين العرب لم يعرفوه وأنا منهم).

 

ويمكن أن نضيف عليهم جورج سبان George Spahn من تقديم بروس ديرن Bruce Dern.

 

2-أدوار سينمائية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والمقصود بها الأداءات التي جسدت العاملين في صناعة السينما,وهم آل باتشينو Al Pacino الذي يظهر كضيف شرف في دور مارفين شوارتز Marvin Schwarz منتج الأفلام ووكيل أعمال ريك دالتون. وداميان لويس Damian Lewis في دور ستيف ماكوين Steve McQueen. ورافال زويروشه Rafal Zawierucha في دور رومان بولانسكي Roman Polanski. والحسناء اللاتينية لورينزا إزو Lorenza Izzo في دور الحسناء الإيطالية فرانشيسكا كابوتشي Francesca Capucci. ومايك مو Mike Moh في تجسيد رائع ومتقن لبروس لي Bruce Lee الذي ظل حاضرا بشخصيته على الشاشة حتى نهاية الفيلم وإن كان بشكل خافت. ونضيف عليهم إميل هيرش Emile Hirsch في دور جاي سبرينغ Jay Sebring,وأخيرا الطفلة المذهلة جوليا باترز Julia Butters ذات العشر سنوات في دور ترودي فريزر Trudi Fraser / جودي فوستر Jodie Foster. وكلها تجسيدات لشخصيات حقيقية جمعها تارانتينو في فيلمه. أما عن الشخصيات الخيالية فنشيد بالكيمياء المبهجة بين كيرت راسل Kurt Russell وزوي بيل Zoe Bell.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإخراج

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] التصوير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استخدم تارانتينو كاميرا فيلمية 35 مم في تصوير الفيلم كعادته مظهرا رفضه الذي عُرف عنه للتصوير الرقمي,ومؤكدا على اختلاف الصورة الفيلمية عن الصورة الرقمية. وراعى بامتيازية التفاصيل في تكوين الصورة لينقل المشاهد إلى فترة الستينات بكل ملامحها. منتقيا بعناية الأماكن والأزياء. ومراعيا شروط صنعته (سينما تارانتينو أو السينما التارنتينية) التي ابتدعها وأتقنها في السينما,ومنها

 

[1] السرد السينمائي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السرد السينمائي هو أن تُروي القصة أو أجزاء منها بالإعتماد على الكاميرا والإستغناء عن عناصر أخرى مثل الشخصيات والحوار في السرد الروائي. ونذكر ستة مظاهر منها في فيلم ذات مرة في هوليوود.

 

الأولى هي تحرك الكاميرا بدون قطع من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين في تصوير الحوار الدائر بين شخصيتين للتعبير عن التنافس وشد الأوتار,وكان ذلك في مشهد المواجهة الكلامية بين كليف بوث وبروس لي قبيل مواجهتهما القتالية.

 

وقد لاحظت الناقدة علياء طلعت (4) أن تارانتينو أستخدم التصوير بلا تقطيع في مشهد آخر لغرض آخر,وهو مشهد تصوير الحلقة التلفزيونية بصورة طويلة ودائرية حول ريك دالتون الذي يحاول تأدية دوره. وكان الغرض من شقين؛الأول لمحاكاة طريقة التصوير التلفزيوني التي تكون متبعة لتقليل النفقات,والثانية لتعكس توتر الممثل الغير واثق في قدراته.

 

ملاحظة أخرى سجلتها علياء طلعت عن إستخدام تارانتينو لـ منظور عين الإله ورمزية السيارات في إيصال فكرة عن الفارق الطبقي بين النجم الساقط ريك دالتون والنجم الصاعد شارون تيت.

 

رابعا بإستخدام السرد السينمائي أعطى تارانتينو لمحات عن كون الفيلم ينتمي إلى عوالم رعاة البقر الجديدة,وتلك اللمحات تتمثل في لقطة تم تصويرها من الأقدام إلى الأعلى لخلق جو من الترقب حول الشخصية المتعقبة من قبل الكاميرا,رغم أن المشاهد يعرف الشخصية. لقطة أخرى تم تصويرها بسرعة على طول الطريق والسيارة تسير كأنها حصان يرمح. وأيضا ساحة المزرعة التي تم عرضها كأنها ساحة لقرية من الغرب الأمريكي تستعد لبدء معركة بالمسدسات بين مقاتلين.

 

بالإضافة إلى الكادرات الضيقة التي تزيد شحنة الإثارة,وفي مقابلها التصوير من بعيد ذو الكادرات الواسعة لكي يرى المشاهدين الشخصيات من بعيد للدلالة على عالم آخر آتين منه وزيادة في شحنة الحنين.

 

ثم هناك إفتتاحية الفيلم بإستخدام كادر تلفزيوني ضيق وبالأبيض والأسود لإدخال المشاهد مباشرة إلى أجواء الفيلم,ولا يكف المخرج عن عرض تلك الكادرات من قريب أو بعيد طوال مدة الفيلم.

 

وسابعا استخدام عناصر مختلفة مثل القفزات الزمنية وتكوين الصورة والتصوير البطئ والتقريب السريع للكاميرا لتنفيذ أغراض متعددة في الفيلم.

 

[2] لاخطية السرد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثاني شيء يمثل أسلوب ترانتينو السينمائي هو السرد الغير خطي,والذي للأسف أتى مفككا غير منتظما بشكل جيد,ومن الممكن أن يعترض أحدهم بحجة أن من السمات التي تميز أعمال ترانتينو هو عدم انتظام الأحداث في بداية ووسط ونهاية. ويأتي الرد في شقين؛الأول هو أن ترانتينو تقريبا لم يتبع ذلك في ترتيب الأحداث فكان لها بداية ووسط ونهاية,ولكن أتت متناثرة قليلا في فصولها الرئيسية. والثاني هو أن جميع السرديات يشترط فيها الانتظام وهو جزء من معنى السرد,والاختلاف فقط يكون في النظام الذي ترتب عليه الأحداث. وقد قسمها الناقد عبد الله إبراهيم إلى أربعة أنظمة سردية أساسية (5). النظام الذي ينتمي إلى أسلوب ترانتينو هو نظام التداخل,وهو يختلف عن نظام التتابع المعروف والتقليدي الذي يرتب الأحداث تباعا. بينما التداخل يقوم ببعثرتها وإعادة جمعها مرة أخرى. ونجد هذا النمط السردي الفريد في أعمال أخرى لمخرجين لا يقلون ثقلا عن ترانتينو مثل فيلم تذكار Memento 2000 لـ كريستوفر نولان Christopher Nolan الذي أتبع فيه ذات نسق فيلم خيال رخيص Pulp Fiction لـ كوينتين تارانتينو Quentin Tarantino.

 

[3] المشاهد الحوارية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يراعي ترانتينو في هذا الفيلم مثلما يفعل في أفلامه إبراز الحوار في قالب من الكوميديا السوداء التي تزيد من متعة الحدوتة وتفيد في إعطاء تفاصيل عن الشخصيات التي تتحاور. ويوظف في ذلك العديد من العناصر الفنية مثل إدارة الممثلين والمشاهد الحوارية الطويلة والإبتذال الغير مبتذل في النص مغلفا ببعض الإسفاف,وزوايا وحركات الكاميرا التي يستخدم بواسطتها تقنيات مثل اللقطة الطويلة بلا قطع والـ champ contre champs, وحركة البان Panning.

 

 

 

[4] جمالية العنف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العلامة الأشهر من بين السمات التي تميز أسلوب تارانتينو السينمائي هي جرأته في تقديم جرعات قوية من العنف والدموية في أفلامه مغلفة بإطار جمالي فلسفي وفني. عنف لا يقدم لإرضاء نزعات شهوانية فحسب بل لتوظيفه كأداة تفيد أغراض وأهداف ورسائل سينمائية دون أن تكون مقحمة أو مبتذلة. فمثلا نجد أن ترانتينو وعلى غير عادته اقتصد في كمية العنف بفيلمه الأخير ليقدم لنا في النهاية جرعة لا بأس بها من العنف والدموية من نوعية مسح الأرض بالوجوه حرفيا (في أحد المشاهد يقوم كليف بضرب وجه مجرمة إثنى عشر ضربة متتالية مهشما وجهها وساحقا رأسها وطابعا دماءها في خمسة أشياء مختلفة),وهو عنف جميل يحمل عدة دلالات. فمنها ما أشار له الناقد محمود مهدي في الرمزيات التي تشير إلى التيه الغارق فيه أعضاء العصابة. ومنها تحقيق أمنية ترانتينو بأن تعيش شارون تيت وتموت العصابة شرّ ميتة.

 

[5] النهاية الصادمة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقد تحدثنا عنها بمزيد من التفصيل في الأعلى.

 

[6] الخلطة الترانتينية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويمكن وصف هذه الخلطة بكونها تحقيقا لإنجازات مبنية على إنجازات سابقة,ويتضح ذلك في تكريم الأفلام وتكريم النجوم بهذا العمل المهدى إلى السينما الهوليوودية.

 

[7] الرمزيات المتناثرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تكوين الصورة لدى ترانتينو يحمل عدد من الرمزيات أبرزها السيارات ورمزياتها الموضحة بالأعلى والرقصات التي يقدمها مختلفة وجميلة في كل فيلم وأخيرا الأقدام الحافية. وقد ظهرت قدمين حافيتين على الأقل في أربعة مشاهد بالفيلم,أبرزها القدمين لفتاة الهيبز موجهة إلى الشاشة في وجه المشاهد كأن المخرج يقول أنه لا يهتم بانتقادات بعد المعارضين لهذه الرموز الجنسية. ومشهد آخر يصور شارون وهي نائمة وتمر الكامير ببطء على جسدها النائم بدئا بقدميها الحافيتين,مرورا إلى مؤخرتها المتكورة,وصولا إلى وجهها وهي تصدر صوت شخير أثناء نومها. أي أن المخرج لا يضع الأقدام في وجوه معارضيه فحسب,بل ومؤخرة وربما يشخر لنا أيضا. وإن المخرج الذي يحاول أن يصيب المشاهد بالملل ويعيد صياغة التاريخ ويسبح في الدماء ليس أقل جنونا من يخرج لنا إصبعة في حركة بذيئة أو يضع قدمه في وجوهنا.

 

 

 

[8] الموسيقى التصويرية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كالعادة يختار تارانتينو أغانيه بعناية لتعبر عن أجواء فيلمه الحارة.

 

[2] الإنتاج

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هو تاسع أفلام المخرج العظيم كوينتين تارانتينو,والفيلم من إنتاج سينمائي أمريكي – بريطاني مشترك. والمنتجين هم المخرج كوينتين تارانتينو والمنتج ديفيد هايمان David Heyman والمنتجة شانون ماكينتوش Shannon McIntosh. وتم مراعاة القيمة الإنتاجية في تصوير هذا العمل دون الإستعانة بأي مؤثرات بصرية بمساعدة مصممة الإنتاج باربرا لينغ Barbara Ling ومدير التصوير روبرت ريتشاردسون Robert Richardson.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-أمير العمري

مقاله على موقع عين على السينما والمنشور في جريدة العرب اللندنية

تارانتينو يستعيد سحر السينما في “ذات مرة في هوليوود”.

https://eyeoncinema.net/%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%8a%d9%86%d9%88-%d9%8a%d8%b3%d8%aa%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%b3%d8%ad%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%86%d9%85%d8%a7-%d9%81%d9%8a-%d8%b0%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%b1/

 

2-محمود مهدي

مراجعته اليوتيوبية على قناة فيلم جامد

https://www.youtube.com/watch?v=MP54yrSHvIM

 

3-محمود عبد الشكور

مقاله المنشور في جريدة الشروق المصرية

«حدث ذات مرة فى هوليوود».. فن تحطيم الواقع!

https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=29082019&id=57bfb26a-6313-40e2-8bae-2a063c420555

 

4-علياء طلعت

مقالها المنشور على مدونة أراجيك والمعروض يوتوبيا على قناة سيما علياء

تارنتينو يحكي قصة هوليوود السبعينيات في Once Upon a Time… in Hollywood

https://www.arageek.com/art/once-upon-a-time-in-hollywood-review

 

5-عبد الله إبراهيم

موسوعة السرد العربي. ج1,ص16.